جريمة الحرب التي لا تُغتفر، لقد استباحت الوطن ومقاهي الشتاء، لوّنت جدران المدارس بلون الدماء، أفرغت قدور جدتي من الحساء
ورائحة الطعام، عبّأت أكواب اللبن بطلقات الرصاص.
جريمة الحرب التي لا تُغتفر، لقد شيدت في قلوب الصغار تعاسة، استبدلت أحلامهم الوردية ببشاعة الخوف، واليتم، ورائحة الموت.
جريمة الحرب جعلتني أفتش عن الوطن، أرسم في مخيلتي صورة عنه فلا أجد سوى ضباب ودم، أحاول أن أشعل الحطب في فرن الدار القديم، وتحت القدر الكبير، تماما كما كانت تفعل جدتي، لكن شظايا الرصاص ملأت أطباق أمي، فأطفئ دخان البارود بأطراف كمي، وأبقى في انتظار العائلة.
سأتصل، لكن يدي ترتجف، ثم أكتشف أني في صفيحة بالية، وليس بيت العائلة!
أنا هنا هاربة من غدر الرصاصة، وغاز القنبلة، وبطش الطائرة، وحيدة أنتحب بلا عائلة، لا وليمة ستقام إلا على أجسادنا.
ها هم يقتسمون لحمنا، يمزقون الوطن، يلوثون قداسة بيتنا، البيت احترق، لم يبقَ منه سوى أنا، وحقيبة المدرسة، أنا وهي في مواجهة الرصاصة.
ليتني غبت من المدرسة؛ كنت سأشتري خبزا للبيت، وبهارات اللحم. والآن جدتي غاضبة، تصرخ عليّ «هذه البنت المدللة أفسدت الطبخة» أبكي، أعتذر، والله محقة.
ليتني اشتريت بهارات اللحم!
أرتجف، أغمض عيني، أقوي قلبي، أهمس بخوف «أنا شجاعة، لابأس» أنا لا أهاب الموت، فجأة يفتح الصندوق، تسقط شجاعتي في التو، يصرخ أحدهم فيبتل مني العظم، أرفع رأسي، أبتسم في مواجهة البندقية، أهمس بقوة« شجاعة أنا».