تشعر بالغربة بينهم، تنعدم وسائل الاتصال، تنقطع سبل التعامل، كأن جسور الود هدمت، فما عدت تفهم أيًا منهم، ولا يعبأ أحدهم كي يشاركك جزءًا من عالمك، بعد حين تستسلم خاضعًا، وتنزلق إلى الشَرك راضيًا، فتصبح واحدًا من “الفيس بوكيين” المخضرمين، وينطلق تعداد الأصدقاء من واحد إلى مئة وألف، ربما عدة آلاف ممن يتابعونك بشغف، يترصدون أخبارك كما لو صرت محور العالم، مركز الدائرة الذي تدور حوله دون كلل.
تنغمس أكثر، فتصير مواقعالتواصل مرتعًا لفرحك وحزنك، ورضاك وانتقامك ممن آذاك، وابتسامتك، ولحظات ضعفك التي يملؤها البكاء، وهم يعلقون أبصارهم بمنشوراتك المتتابعة، فيعبرون بعلامات الحب، والدعم، والحزن، والغضب، والبكاء وكذا الاندهاش، ينسون ملامحك وكل ما يخصك، يذكرون تعليقاتك وصفحات الإعجاب التي ترتادها، تلك الصورة التي نشرتها بعد التقاطها بردح من الزمن، ووجهك يحمل ابتسامة نبتت وسط بحر من الدموع في يوم عصيب، يظنونه احتفالًا بين أعيادك التي لا تحصى، يبتعدون إلى خانة المتفاعلين، تختفي أنت خلف شاشتك الصماء، تواري شوقك واهتمامك وافتقادك إلى حضن صديق، كلمة طيبة من رفيق صادق الود، تبتسم لكل تفاعل، تجيب كل تعليق بلطف، تفرغ حياتك من البشر، وتمتلئ بالفيس بوك، والواتس آب، وجوجل وتويتر، تنمو في داخلك بذرة أمل أن تنفجر فقاعة الوهم التي يحيون داخلها، ويعودون إلى أرض الواقع دون أن تحمل الشاشات مشاعرهم، أو يختفي الجميع خلف أقنعة المثالية والحب، وإن حملت قلوبهم بغضًا وكراهية.