إن الزواج أمر غريزي، يحتاج المرء إليه كحاجته للطعام والشراب، وقد جُبلت النفوس السوية على التفكير فيه، والطمع في تحقيقه، والزواج من أمور الخير التي ينبغي المبادرة إليها، ففيه كثير من المصالح العظيمة، ومن ذلك إعفاف النفس عن الوقوع في الحرام، حيث أنَّ الزواج ضرورة إنسانية.
والزواج نعمة جديرة بالشكر لله والثناء عليه، وما أبلغ قوله تعالى ممتنًا على عباده : “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”، والمودة والرحمة أساس هذه الحياة الزوجية.
والدين الإسلامي يريد من المرأة في الزواج أن تكون للرجل زوجة تعفه و تحصنه، وتدير شؤونه في إخلاصٍ ووفاء، وتكون له رداء في الشدائد، وعونًا في الملمات والنائبات، وأمًا لأولاده تحسن تربيتهم وتعدهم للدين جنودًا مخلصين وللوطن أبناء عاملين. ومن الرجل أن يكون للمرأة زوجا يعفها ويحصنها ويقوم بنفقتها ويؤدي حقوقها، وأن يكونا معًا نفسًا واحدة ذات صورتين رجل وامرأة، وما أبلغ قوله تعالى يمثل لنا صورة هذا الاتحاد والامتزاج بين الزوجين : “هن لباس لكم وأنتم لباسٌ لهن”، فقد شبهت الآية الكريمة كلا من الزوجين باللباس لأن كلا منهما يستر الآخر، فحاجة كل منهما إلى صاحبه كحاجته إلى اللباس، فإن يكن الملبس لستر معايب الجسم ولحفظه من عاديات الأذى، وللتجمل والزينة، فكل من الزوجين لصاحبه كذلك يحفظ عليه شرفه ويصون عرضه، ويوفر له راحته وصحته، فالرجل يفضي إلى المرأة بخوالج نفسه، وهي كذلك تبادله ذلك الإحساس، وكل منهما يرى من الآخر أدق مواضيع البدن ويطلع على دخائل صاحبه وطواياه.
والزواج واجب اجتماعي للمحافظة على بقاء النوع الإنساني وصيانته من الفساد الخلقي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : “من رغب عن سنتي فليس مني”، فالزواج سنة النبيين والمرسلين إذ كان لهم زوجات وذريات طيبة، وما ينبغي للإنسان أبدًا أن يعزف عن الزواج، فسنة الحياة أن لا تكون وحيد، وأن يكون لك شريك تحكي له همك ويشاركك حزنك، وأن يكون لك أبناء يراعوك حين تكبر ويكونون ونس لك وسند.
وفي الحديث : “أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لعاكف بن وداعة الهلالي : ألك زوجة يا عكاف ؟ قال : لا، ولا جارية : قال : وأنت صحيح موسر، قال : نعم والحمد لله، قال : فأنت إذن من إخوان الشياطين، أما أن تكون من رهبان النصارى فأنت منهم، وأما أن تكون منَّا فاصنع كما نصنع، وإنَّ من سنتنا النكاح شراركم عزابكم، وأراذل موتاكم عزابكم، ويحك يا عكاف تزوج، قال : فقال عكاف لا أتزوج حتى تزوجني من شئت، قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقد على اسم الله والبركة كريمة بنت كلثوم الحميري”، وبهذا يتبين أنه لا رهبانية في الإسلام، وفي الإعراض عن سنة الزواج التي شرعها الله لعباده قتلًا لروح العفاف، وحرمانًا للأمة من النسل الصالح.