أخبار مصر

ماذا لو دخلت مصر حرب غزة؟

ماذا لو دخلت مصر حرب غزة؟

بقلم المستشارة/ رحاب نادي عسران 

عنواننا هو سؤال يطرح نفسه دائمًا لدى كل المصريين، حيث أن دماء الجيل الحالي من المصريين ليست أغلى من دماء أسلافهم التي روت أرض سيناء عبر التاريخ، والمؤكد أن ثقافة العولمة لم تغير من ثوابت الشخصية المصرية التي لم تقبل نهائيًا التفريط في حبة رمل واحدة من رمال سيناء، سيما وأن ذلك سيكون بهدف تصفية القضية الفلسطينية التي ضحت مصر من أجلها بما يجاوز 100 ألف شهيد، وأكثر من 200 ألف جريح خلال الحروب مع إسرائيل، ولا توجد أسرة مصرية لم ترتوِ أرض سيناء بأحد أبنائها، والآن ومع تزايد الضغوط على مصر من أجل اقتطاع جزء من أرضها وجرها لتلك الحرب، ومع كل الثقة في حكمة القيادة المصرية ورشدها في اتخاذ القرار يكون السؤال هنا ماذا يحدث لو اشتركت مصر في حرب غزة؟

وهنا يجب أن نعلم أن الاقتصاد المصرى خلال السنوات الأخيرة أصبح أكبر حجمًا وأكثر تشابكًا مع العالم بصورة تجعل تضرر الاقتصاد المصري من تلك الحرب يخلق أضرارًا أكبر للاقتصاد العالمي، وإذا تجولنا فى هذا الملف، نجد أن مجرد احتمال دخول مصر تلك الحرب يعني الخشية من غلق قناة السويس التي تمر منها ما يزيد عن 12% من التجارة العالمية، وهو ما يعني مضاعفة تكلفة النقل العالمية وزيادة مدتها واشتعال أسعار البترول والغاز على غرار ما حدث في حرب أكتوبر 1973 لتتضاعف معدلات التضخم العالمي وتتعمق جراح الاقتصاد العالمي الذي سينقل من مخاوف الركود إلى الكساد المحقق، وستغلق آلاف المؤسسات والكيانات الاقتصادية في العالم ويتشرد موظفوها وتصل معدلات البطالة العالمية إلى معدلات غير مسبوقة.

وفي الولايات المتحدة الأميركية نجد أنها ستفقد مصر شريكها الاستراتيجي بعد شراكة استمرت منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي بما سيكون من أثره فشل الإدارة الأميركية الحالية في الانتخابات القادمة، وتهيئة مصر لتكون أرضًا خصبة لانتشار الوجود الصيني والروسي، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط لعقود قادمة بصورة تفشل كل محاولات الولايات المتحدة التي تسعى من خلالها لتدعيم مكانتها كقطب العالم الأوحد.

أما في أوروبا التي لها تشابكات اقتصادية معقدة مع مصر فإنها ستشهد إفلاس لعدد من البنوك وشركات التأمين التي ترتبط بتمويل التعاون الأوروبي مع مصر بصورة تحرك قطع الدومينو لتتوالى الانهيارات الاقتصادية لمؤسسات ودول تعاني من الأساس بشدة من تبعات الحرب الاوكرانية.

ودخول مصر حرب غزة سيغير من موقفها المتوازن من الحرب الاوكرانية لتقدم للروس ما لم تقدمه حتى الآن مقابل حصولها على كافة احتياجاتها من القمح والبترول والسلاح وغيرها من مستلزمات الإنتاج، كما أن البعد الواضح عن الولايات المتحدة سيكون بيئة جاذبة وبشدة للوجود الصيني القادم بقوة في مصر والمنطقة.

بالتأكيد، سيتضرر الاقتصاد المصري في الصدمة الأولى، وستوقع عليه عقوبات غربية، ولكن سيقبلها الشعب وسيتعاطف مع القيادة وسيتحمل كل شيء من أجل الوطن سيما وأنه يعاني بالفعل من ضغوط اقتصادية مستترة منذ فترة كأنها ضغوط لتأهيله ليقبل بما يرفضه في تلك اللحظة، ودخول مصر الحرب ومساندتها للقضية الفلسطينية سيفتح الطريق أمام دعم الدول العربية لمصر وفلسطين ويعيد إحياء القومية العربية والتعاون الإقليمي الذي يرفع من قيمة العرب عالميًا.

وسنجد خروج جماعي للاستثمارات الغربية من مصر، وهو الأمر الذي لم يعد فزاعة بعد ان خرجت تلك الاستثمارات من روسيا وتم استمرار عمل معظم المشروعات بأسماء تجارية وطنية، وإجمالًا فإن العقوبات والبعد عن الغرب لم يقتل الشعب الإيراني، ولم يضعف عقيدة الشعب الروسي في دولته واستمرار الحياة، وهو ما سيحدث في مصر حال دخولها حرب غزة للدفاع عن أرضها، ودعم الشعب الفلسطيني الذي ستتحرك قضيته وسيحصل على مكاسب غير مسبوقة.

ليس مقصدي التهوين من أضرار دخول تلك الحرب، وهي قائمة بالفعل على مصر، ولا أرغب لمصر دخول حقبة جديدة من العداء مع الغرب، ولكن ما أقصده أن الغرب يستفيد من مصر مثلما تستفيد منه مصر وربما أكثر، ويجب عليه إدراك حجم مصر الحقيقي، وينزلها منزلتها، ولا يراهن على صبرها، وإن الرغبة المصرية في الحفاظ على التعاون مع الغرب والعمل على تحقيق الرفاهية للمواطن لن يكون على حساب التفريط في ذرة رمل واحدة من سيناء، أو المساس بالأمن القومي والثوابت الوطنية التي يعتقد بها الشعب بالكامل.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي