أخبار مصر

“تلك المرآة هي أنا” الحلقة الثانية

“تلك المرآة هي أنا” الحلقة الثانية

بقلم: الكاتب الروائي حسن العربي

تركني في حيرتي هل سيعود مرة أخرى يداعبني غدًا…أم أنها رحلته معها إلى الجنوب…وأبقى أنا وحدي هائمة بين أحلامي وأوهامي!

توقفت قليلًا، أتابع بعينيّ الحالمتين هذه الرحلة الشاقة التي اختارا أن يبدآنها معًا ثم وقفت مندهشة أُراجع نفسي:

وأنا!

من أنا؟

أين أنا من رحلتي؟

لمَ لم يفعل مثل هذا العصفور وتركني وحدي؟

أين أحلامي التي أهدرتها، أين سنين عمري التي أضعتها، كيف كانت وكيف ضاعت ؟

أين كل هذا الحب الذي كان؟

ذرفت دمعة من مقلتي… نزلت كلهيب نارٍ على خدي المتوهج لتعتصر قلبي الذي بدأ يدق حتى سمعت صخب دقاته. 

ما الذي حدث …فأصبحت وحيدة هكذا كسفينة بلا شراع أو ربان.. هجرها حتى الركاب. 

ثم أخذت قدماي تخطوان إلى طريقهما فى الاتجاه المخالف بلا شك وكأنني أردت أن أنسى قصة غرام هذا العصفور، وودت لو لم أره وهو يرفرف بجناحيه نحو مستقبله مع معشوقته!

لم أشعر إلا وأنا أمام المرآة أتحسس جسدي ورشاقته التي لم تذبل بعد وأنظر إلى وجهه وبشرته التي لم تذبل بعد.. أسأل نفسي: 

لماذا استسلمت ولماذا انتظرت؟

كيف أصبحت وحيدة إلى هذا الحد؟ 

أين ذهب كل هذا العناد وأين ذهب جبروتي عندما كنت أشق طريقًا مخالفةً لكل من حولي؟ وكيف رميت بنصائحهم عرض الحائط ولا زلت؟!

أين مني غائبٌ عشقني، ولم يبذل حياته من أجلي ثم تركني عند أول مفترق طرق؟

أكان هو الوغد الحقيقي أم أنا التي انتظرت طويلًا بلا أمل أم من؟

تضاربت في رأسي الأفكار وتعانقت وتشابكت، وأنا لازلت أقف أمام هذه المرآة  اللعينة التي مررت عليها فقط لأمشط شعري.

لكن لماذا أمشط شعري؟ 

أنا هنا وحيدة بل وقد أقسم إنه لن يأتي أحدٌ إطلاقًا لا اليوم ولا غدًا، وربما يمر الأسبوع كله قبل أن يدق بابي أحدهم!

صراع جبار يدور بيني وبين تلك المرآة هنا أمامها، ثم لفت نظري شئٌ غريب لم أعهده من قبل، ويا لهول ما رأيت … من جاء بها إلى هنا من أين خرجت كيف حدث هذا ومنذ متى وهي تسكن رأسي تلك الشعيرات البيضاء البغيضة؟!

لا شك أن هذه الخصلة من الشعر الأبيض نغصت عليّ يومي ولعنة تلك المرآة التي أظهرتها بوضوح أمام عيني، أمَا كان من الأفضل أن تداريها!

مر وقت لا أستطيع أن أحدده وأنا متسمرة أمامها وموج الأفكار والذكريات لا يدع لي مجالًا، ومن حين إلى آخر كنت أقول لنفسي:

نعم إنها أنا…تلك المرآة هي أنا، لكنني لم أكن أتنبه أبدًا إلى ما بدا عليّ من تغيرات مثل هذه الشعيرات البيضاء التي تعلن بوضوح أن خريفًا آخر قد بدأ.

نعم حقًا لقد بدأ خريف عمري!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي