أخبار مصر

لماذا تتقارب أمريكا مع روسيا على حساب أوكرانيا؟ وهل للصين علاقة بذلك؟

لماذا تتقارب أمريكا مع روسيا على حساب أوكرانيا؟ وهل للصين علاقة بذلك؟

كتب: د. أحمد شحاته

منذ وصول ترامب للبيت وهو يسلك اتجاه روسيا مبتعدًا عن أوكرانيا، رغم أن هذا المسلك على عكس المفترض أن تكون عليه العلاقات الأمريكية الروسية والأمريكية الأوكرانية.

وفقًا للسياسة الأمريكية الراسخة على مدار عقود من الزمان، منذ صراعها مع الاتحاد السويفيتي المنهار، الذي تعتبر روسيا حاليًا هي الجذور المتبقية لهذا الاتحاد، والتي تحاول الإنبات من جديد، والنمو والتفرع والتوسع، وفي سبيل ذلك التوسع لجأت روسيا لبناء تحالفات مع دول الاتحاد السوفيتي المنهار مثل كازاخستان وروسيا البيضاء وغيرهم، وصولا إلى غزو أوكرانيا وضم جزء من أراضيها، سعيًا منها لإعادة مجد الاتحاد السويفيتي المُنحل، ولكن هذه المرة في صورة الإمبراطورية الروسية.

تعطي التصريحات الأخيرة لممثلي الإدارة الأميركية الجديدة وعلى رأسهم الرئيس ترامب، لمحة عن خططها المتمثلة في وقف الصراع في أوكرانيا بسرعة، وترك الأمر لأوروبا للتعامل معه.

ولكن من الصعب تصديق ترامب وأنه يريد إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية رغبةً منه في وقف إراقة الدماء، لأن أمريكا ما فتئت تستخدم قوتها العسكرية الغاشمة في عشرات المواضع، حيث استخدمت وفقًا للتقارير الأمريكية قوتها العسكرية الهجومية أكثر من 250 مرة خارج حدودها، وقصفت وقتلت وأبادت الملايين من البشر في عدة دول.

آخرهم مساعدتها لإسرائيل في إبادة الفلسطينيين المدنيين العُزل بأسلحة وذخائر وصواريخ وقنابل وآليات عسكرية مدرعة ومنصات إطلاق أمريكية الصنع، قتلت بها ما يزيد عن 40,000 شهيد فلسطيني وجرحت ما يزيد عن 100,000 فلسطيني، سوادهم الأعظم من المدنيين النساء والأطفال والعجائر، ومازالت أمريكا تعلن تأييدها العسكري المطلق لإسرائيل للتطهير العرقي للفلسطينيين وإجلائهم من أراضيهم ومنحها لإسرائيل.

لماذا تتقارب أمريكا مع روسيا على حساب أوكرانيا؟

 إن لم تكن أمريكا تتقارب مع روسيا وتسعى لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية على حساب أوكرانيا رغبة منها في وقف إراقة الدماء، كما تعلن في الظاهر، فلماذا إذن؟

الإجابة هي “الصين”..

لقد تم إدراج الصين رسميًا منذ فترة طويلة في العقيدة الأمريكية المعتمدة بالوثائق، باعتبارها التهديد الرئيسي للهيمنة والنظام العالمي المتمركز حول أمريكا، ومع ذلك توقع الرئيس المنتهية ولايته بايدن العام الماضي انهيارًا سريعًا للاقتصاد الصيني، الذي قال إنه يعاني من مشاكل هيكلية وأزمة إسكان.

وكانت نغمة “الانهيار السريع للاقتصاد الصيني” تستخدمها حكومة بايدن كلما احتاجت إلى نشر أخبار عن نجاحاتها في “احتواء الصين”، وفي النهاية اتضح فشل أمريكا في احتواء الصين، كما كانت تدعي في ولاية بايدن.

لماذا تخاف أمريكا الصين؟

لماذا تخاف أمريكا الصين؟

وهذا ما أشار إليه في نهاية العام الماضي وزير الخارجية الأميركي الحالي ماركو روبيو في تقرير خاص قدمه إلى الكونجرس بعنوان “العالم الذي خلقته الصين”، “صنع في الصين 2025″، في إشارة إلى البرنامج الوطني لتحديث قطاع التصنيع، الذي أطلقه مجلس الدولة لجمهورية الصين الشعبية في عام 2015.

 

وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، أصدر في عام 2019، وكان لايزال عضوًا في لجنة الاستخبارات ولجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي وقتئذ، تقريرًا حذر فيه المؤسسة الأميركية من أن الصين أصبحت خطيرة حقًا، والآن يؤكد الرجل ذاته الذي يتولى قيادة السياسة الخارجية الأميركية أن “الصين الشيوعية هي الخصم الأقوى الذي واجهته الولايات المتحدة في الذاكرة الحية”.

ويضيف في تصريحه قائلا:

“لقد بنت الصين أكبر قاعدة صناعية في العالم، وتقود العديد من الصناعات التي ستحدد الهيمنة الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين، من بناء السفن إلى المركبات الكهربائية”.

وقال روبيو أيضًا:

“الوقت ينفد ونحن بحاجة إلى تحركات غير تقليدية تمامًا، لم يعد بوسعنا الاعتماد على العقائد القديمة والأطروحات البالية، إذا أردنا أن ننتصر، يتعين علينا اتخاذ إجراءات جريئة لإعادة بناء أمتنا، وهزيمة تحدي الصين، والحفاظ على شعلة الحرية مشتعلة للأجيال القادمة”.

لماذا تخاف أمريكا من الصين؟

تتقدم الصين بسرعة كبيرة جدًا في معظم المجالات وخاصة في مجال المركبات الكهربائية، حيث تزيد صادرات الصين العالمية عن صادرات أميركا بنحو ثلاثة أضعاف، في مجال الألواح الشمسية ومعدات محطات الطاقة الشمسية أيضًا، حيث تسيطر الصين على 80% من السوق العالمية، وفي مجال الطاقة النووية، والروبوتات الصناعية، أنتجت الصين في عام 2022 أكثر من إنتاج دول العالم جتمعة، وفي مجال الحديد والأسمنت، يطلق على الصين “ملك الفولاذ والأسمنت”، وفي مجال التقنيات الناشئة، تقود الصين تطوير 37 من أصل 44 من التقنيات الناشئة في العالم.

كما تفوقت الصين على أمريكا في صادرات 32 سلعة عالية التقنية، وتتقدم الصين أيضًا بسرعة كبيرة في مجالات القطارات عالية السرعة، بناء السفن، وغيرها من الصناعات الضخمة، وفي مجال.

أكثر ما يثير مخاوف أمريكا من الصين، هو البرنامج الصيني “صنع في الصين 2025” الذي أطلقته الصين مؤخرًا، والذي يهدف إلى خلق سلاسل توريد عالمية، وشركات متعددة الجنسيات، بهدف ترسيخ جذور الصين في تلك الدول، وخاصة الدول النامية، وهذا الاجتياح الصيني الكبير، من وجهة النظر الأمريكية، يحتاج إلى التصدي له ووقفه بأي ثمن وفي أسرع وقت، قبل أن يتضخم التنين الصيني ويصعب التخلص منه مستقبلًا، يجب وقف الصين بأي شكل.

لماذا تخاف أمريكا الصين؟

هل تسعى أمريكا لتفكيك التحالف الصيني الروسي؟

الشكل الذي اختارته إدارة ترامب لوقف التمدد الصيني في العالم، هو تفكيك التحالفات الصينية الكبرى، مثل التحالف الصيني الروسي، لذلك لجأت إدارة ترامب إلى التقارب مع روسيا وتقديم التنازلات لها بغية استمالتها إلى جانبها، وخلعها وفك ارتباطها تدريجيا مع الصين.

وأجمل هدية تقدمها أمريكا للصين، هي إقرار السيطرة الروسية على أكبر قدر ممكن من الأراضي الأوكرانية التي احتلتها روسيا خلال حربها الحالية والتي ماتزال رحاها دائرة مع أوكرانيا.

وهذا ما يفسر سلوك الإدارة الأمريكية الحالية في تقاربها مع روسيا، وعقد اجتماعات في الرياض بالمملكة العربية السعودية بين مسئولين أمريكيين ومسئولين روس، واستبعاد الجانب الأوكراني من المحادثات، التي يفترض أنها مباحاثات خاصة بإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، ومع ذلك تعمد ترامب إقصاء الجانب الأوكراني من هذه المحادثات، بل والأدهى من ذلك أن ترامب وصف الرئيس الأوكراني زيلينسكي بالديكتاتور الذي لا يملك انتخابات.

لا شك أن الأيام المقبلة حبلى بالأحداث السريعة المتلاحقة فيما يخص إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية لصالح الروس على حساب أوكرانيا، بهدف الوصول إلى تقارب روسي أمريكي، يضعف التحالف الروسي الصيني.

 

عبير طه سعد

عبير طه سعد رمضان، حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة الفرنسية من جامعة المنصورة عام 2005. تعمل في الصحافة منذ سنوات، وتشغل حالياً رئاسة قسم الديسك بجريدة العدد الأول، بعد توليها رئاسة قسم المقالات بنفس الجريدة. متخصصة في التحرير والمراجعة اللغوية، وتتميز بالدقة والاهتمام بالأسلوب الصحفي المتوافق مع معايير الكتابة الصحفية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي