أخبار مصرمقالات متنوعة
أخر الأخبار

الكرنك بين ميراث الدم ونور العلم: قرية تبحث عن هويتها من جديد

الكرنك بين ميراث الدم ونور العلم: قرية تبحث عن هويتها من جديد

كتب: حازم ابوالشيخ

في قلب صعيد مصر، حيث تتجاور العراقة مع المعاناة، وحيث تمتزج جذور الحضارة بنزيف الدم، تقع قرية الكرنك التابعة لمركز أبوتشت بمحافظة قنا، تلك القرية التي لطالما كانت عنوانًا للعلم والريادة، قبل أن تختطفها دوامة الثأر والخصومات العائلية.

الكرنك… الاسم وحده يحمل رمزية حضارية. فهو مشتق من واحد من أعظم المعابد الفرعونية في الأقصر، لكن ما بين قدسية الاسم وواقع الحال، تتكشف مفارقة صادمة: كيف لبلدةٍ كانت تُعرف بـ”بلد العلم والعلماء” أن تتحول إلى نقطة ساخنة في خريطة الخصومات الثأرية في جنوب مصر؟

الكرنك.. ذاكرة العلم والمجد

لسنواتٍ طويلة، كانت الكرنك تعد منبعًا للعلم والتنوير في مركز أبوتشت، بل وفي محافظة قنا بأكملها. عرفت القرية نهضة تعليمية مبكرة، خرج منها عشرات الأطباء، والمعلمين، والمهندسين، وضباط الشرطة، والدعاة، والقضاة، والأكاديميين.

ومن أشهر أبناء القرية من عرفوا في الأوساط العلمية والإدارية، رجال ساهموا في خدمة الدولة المصرية من مواقع مختلفة مما كان هناك من ارتقى في السلك القضائي، ومن نال درجات علمية رفيعة في الجامعات المصرية، ومن تقلد مواقع مؤثرة في مؤسسات الدولة.

كانت الأسر تتفاخر بنجاح أبنائها في الثانوية العامة، وكان طلبة الأزهر الشريف يخرجون منها بالعشرات سنويًا، لتحتضنهم كليات الشريعة، وأصول الدين، والدعوة الإسلامية.

منارة تحاصرها الظلال

لكن هذا الوجه المشرق بدأ يبهت تدريجيًا مع تصاعد وتيرة الخصومات الثأرية التي عصفت بالسلم الاجتماعي داخل القرية، فباتت أخبار إطلاق النار، والحصون العائلية، والترقب الدائم، تغطي على أخبار المتفوقين والدارسين.

تحولت أفراح النجاح إلى ذكرى مؤجلة، وتحولت البيوت التي كانت تفتح أبوابها للعلم، إلى قلاع مغلقة يحاصرها الخوف،

وبدأت المدارس تفقد جزءًا من طلابها بسبب الهروب من النزاعات، وأصبح من المعتاد أن تتوقف مسيرة شاب متفوق برصاصة طائشة لا يعرف عنها سوى أنها “رد شرف” لخصومة قديمة.

الثأر.. نزيف لا يتوقف

منذ أكثر من عشر سنوات، لم تكد القرية تخرج من خصومة حتى تقع في أخرى، وسرعان ما انتقلت ظاهرة الثأر من كونها حالات فردية إلى نمط ثقافي قائم على الرد والتصعيد، متجاوزًا منطق الدولة، والقانون، والدين.

عشرات القتلى، وأضعافهم من المصابين، ومئات الأطفال نشأوا وهم يعتقدون أن الحياة لا تسير إلا عبر “الترقب” و”الانتقام”. ومع كل خصومة، تزداد الفجوة بين الحلم والواقع، بين ما يجب أن تكون عليه الكرنك، وما أصبحت عليه.

مبادرات الصلح.. مقاومة نبيلة في وجه الدم

رغم هذا الواقع المؤلم، لم تستسلم القرية كليةً للدم، فهناك رجال شرفاء يقاومون، ويحاولون استعادة روح الكرنك القديمة.

لجنة المصالحات، ورجال الدين، والعقلاء من كبار العائلات، تحركوا مرارًا لعقد جلسات صلح، وإنهاء خصومات ثأرية مزمنة، نجح بعضها، وما زال البعض الآخر ينتظر توافقًا حقيقيًا.

الكرنك.. الحلم الممكن

قرية الكرنك ليست مجرد موقع جغرافي أو اسم في نشرة أخبار، بل كيان متكامل يختزن طاقات بشرية هائلة، كل ما تحتاجه هو تفعيل دور المؤسسات التعليمية، ورعاية حكومية لخطة تنمية اجتماعية، وتقديم الدعم للجان المصالحة، إلى جانب إعادة الاعتبار لقيم العلم والاحترام المدني.

إن مستقبل الكرنك مرهون بقرار جماعي: هل تستأنف الرحلة نحو النور، أم يترك المركب يغرق في وحل الثأر؟

ويبقى الأمل قائمًا، طالما أن هناك من يؤمن بأن القرى لا تموت، بل تنهض كلما تذكرت حقيقتها.

فهل نرى قريبًا قرية الكرنك وهي تعود إلى سابق عهدها، منارة للعلم لا ساحة للدم؟

حازم أبو الشيخ

حازم محاريق أحمد (الشهير بـ حازم أبوالشيخ)، صحفي وإعلامي متمرس، حاصل على ليسانس آداب وتربية – قسم اللغة الإنجليزية، إلى جانب مجموعة من الشهادات المهنية المعتمدة في مجالات الحاسب الآلي وإدارة الأعمال، أبرزها شهادة ICDL، وشهادة MCE في العلوم والتكنولوجيا، وشهادة المركز البريطاني لعلوم الحاسب الآلي. يتولى حالياً رئاسة قسم الأخبار في جريدة العدد الأول الإخبارية، ويشغل في الوقت ذاته منصب الأمين المساعد لأمانة الإعلام، والأمين المساعد لأمانة قطاع رجال الأعمال بحزب مستقبل وطن. يتمتع بخبرة واسعة في العمل الإعلامي المؤسسي، ويُعرف بدقته في المتابعة الإخبارية، واهتمامه بالقضايا الوطنية والتنموية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي