مقالات متنوعة
أخر الأخبار

تجارة الأعضاء وموائد الرحمن.. عندما يُغلف الجشع بثوب الرحمة

بقلم: عبير جبر الأكوح

 

من المؤلم حقًا أن نعيش في عصرٍ ماتت فيه القيم، وتبدلت فيه الإنسانية بثمن، وأصبح الجسد سلعة، والروح تجارة.

 

لقد أصبح من المخزي أن نستيقظ على فضائح تتورط فيها أسماء مرموقة في مجالات السياسة والفن والطب والمال، تُمارس أبشع صور الإجرام تحت غطاء «العمل الخيري».

 

لم تعد تجارة الأعضاء تُقدَّم على أنها وسيلة لإنقاذ الأرواح كما كانت تُبرر قديمًا، بل تحوّلت إلى سوق بشع يتاجر فيه الأغنياء بأجساد الفقراء، يقتلعون أرواحهم ليعلو بها من لا قيمة له، فيسكن القصور، ويقتني السيارات، ويصنع المجد على أشلاء المساكين.

 

العبث الأكبر أن هؤلاء أنفسهم يقيمون موائد الرحمن، ويتبرعون للفقراء، ويتباهون بأعمال “الخير”، بينما هم في الواقع يطعمون من سُرقت أرواح ذويهم، ويشترون صمت الناس بالدعاية المضللة. يتقربون إلى الناس وهم يحملون على أكتافهم خطايا شباب وأطفال تم استغلالهم من المناطق الشعبية المهمّشة.

 

والأدهى من ذلك، أن هؤلاء يفلتون من العقاب، رغم تكرار ذكر أسمائهم في قضايا وتحقيقات مع أطباء مجرمين. تُطوى الملفات، وتُغلق القضايا، بل ويُهدد من يجرؤ على فضحهم، لأن كل متورط قد يفضح شبكة كاملة من المتورطين.

 

أي طريق هذا الذي نسلكه؟ إلى أين نمضي؟ ألا نفكر في يومٍ سندفن فيه وحدنا، دون قصورنا أو ثرواتنا، لنُحاسب على كل نفس أُزهقت، وكل جسدٍ بُيع؟ لقد أنعم الله علينا بأجسادنا، فهل يُعقل أن نبيع النعمة؟ هل نبيع هبة الله؟

 

أما آن الأوان أن نتعظ؟ أن نعيد النظر في مصير من حكموا وسادوا ثم ماتوا وتركوا كل شيء؟ لم يأخذ أحدهم معه فلسًا ولا كرسيًّا ولا سلطة.

 

لقد آن للمجتمع الدولي أن يُجرّم تجارة الأعضاء بشكل قاطع، وأن يضع قوانين رادعة بحق كل من تسوّل له نفسه الإتجار بالبشر، سواء كان فاعلاً أو شريكًا أو صامتًا. فإن وُجدت ضرورة، فليكن التبرع بالأعضاء نابعًا من الرحمة، لا من الحاجة أو القهر أو الطمع. حينها فقط سيكون الخير خالصًا، ولن يكون هناك مكان لتجار الموت.

 

 

د. عبير جبر الأكوح

د. عبير جبر الأكوح، قائدة متميزة، تحمل بكالوريوس علوم عسكرية (1992) وبكالوريوس إدارة أعمال، إلى جانب دراسات متقدمة في القانون الدولي. تبوأت مناصب قيادية وأسست مؤسسات تعليمية وخيرية، وتشغل حالياً منصب المدير التنفيذي لمؤسسة "الأيدي الرحيمة" في المنطقة الشرقية بليبيا. لديها خبرة في الاستثمار العقاري وتحمل رخصًا مهنية من مصر وليبيا، كما أنها عضوة نشطة في مركز كيمت للتحكيم. شاركت في مؤتمرات دولية وإقليمية كبرى، أبرزها فعاليات جامعة الدول العربية ويوم القانون العالمي. تهتم بقضايا تمكين المرأة، وتمارس هوايات متنوعة تشمل الكتابة والرماية وركوب الخيل، ما يعكس شخصيتها المتكاملة والثرية. محررة صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي