
“رُكوعٌ عندَ بوابةِ الكبرياءِ”
بقلم:هند زيدان
المشهدُ التاسعُ
“رُكوعٌ عندَ بوابةِ الكبرياءِ”
تحتَ الخيطِ… يسقطُ
سُبْحَانَ مَنْ يُدِيرُ الْمَوَازِينَ فِي الْخَفَاءِ، وَيُلْبِسُ الذُّلَّ تَاجًا لَا يُرَى،
فَتَسِيرُ السِّيَادَةُ فِي يَدِ امْرَأَةٍ، وَيُسْحَبُ الْجَبَّارُ مِنْ عُنُقِ رُجُولَتِهِ
بِخَيْطٍ خَفِيٍّ يَرْفُرِفُ فِي كَفِّ أُنْثَى.
لَمْ تَكُنْ تَمْشِي… بَلْ تَتَهَادَى كَمَا يُنْسَجُ الْحُلْمُ فِي طَرَفِ اللَّيْلِ.
غَادَرَتْ دُونَ ضَجِيجٍ، لَكِنَّ صَدَاهَا ظَلَّ يَصْفَعُ وَجْهَهُ أَيْنَمَا ذَهَبَ.
هُوَ لَمْ يَلْحَقْ بِهَا؛ بَلِ انْقَلَبَ يَبْحَثُ عَنْ ظِلَالِهَا،
عَنْ رَائِحَتِهَا فِي الطُّرُقَاتِ، يَسْأَلُ النَّاسَ عَنْ أَثَرِ مَنْ لَا تَتْرُكُ أَثَرًا…
كَانَ يَجُوبُ الْأَرْضَ رُكُوعًا، لَا مَشْيًا… وَكَانَ يَلْهَثُ، لَا يَسْعَى.
عِزَّةُ النَّفْسِ غَابَتْ، وَالْكَرَامَةُ سُحِقَتْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَهُ مِنَ الذُّلِّ أَقْرَبُ…
لَوْلَا أَنَّهُ يَرَاهَا تُرَاقِبُهُ.
كَانَتْ تَضْحَكُ.
ضَحْكَةٌ لَا تُسْمَعُ، لَكِنَّهَا تَنْهَشُ.
كَانَتْ تَرَاهُ… يَتَقَلَّبُ، يَرْتَبِكُ، يَتَمَزَّقُ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ، يَسْقُطُ كُلَّمَا ظَنَّ أَنَّهُ اقْتَرَبَ.
وَالْخَيْطُ فِي يَدِهَا… لَيْسَ خَيْطَ حُبٍّ؛ بَلْ خَيْطَ اسْتِعْبَادٍ نَاعِمٍ، يَشُدُّهُ فَتَخْتَنِقُ رُجُولَتُهُ،
تُرْخِيهِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ نَجَا، ثُمَّ تُعِيدُهُ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ إِلَّا صَدَى.
ثُمَّ…
وَصَلَتْهُ رِسَالَةٌ.
لَا يُدْرَى مَا فِيهَا.
رُبَّمَا لَا شَيْءَ.
رُبَّمَا نُقْطَةٌ.
رُبَّمَا حَرْفٌ يُشْبِهُ لَعْنَةً.
رُبَّمَا لَمْ تَكُنْ مُوَجَّهَةً لَهُ أَصْلًا…
لَكِنَّ الْهَاتِفَ ارْتَجَفَ فِي يَدِهِ كَأَنَّ الْقُيُودَ اشْتَدَّتْ.
قَرَأَهَا…
فَذُهِلَ، تَجَمَّدَ، تَهَشَّمَ كَمِرْآةٍ فِي عَيْنٍ خَائِنَةٍ.
ارْتَبَكَ، بَلَعَ رِيقَهُ، وَابْتَلَعَ كِبْرِيَاءَهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً.
تَخَشَّبَتْ مَلَامِحُهُ…
وَسَقَطَتْ أَنْفَاسُهُ…
وَرَكَعَ.
لَيْسَ رُكُوعًا لِنَدَمٍ، وَلَا تَوْبَةٍ، وَلَا عِشْقٍ…
بَلْ رُكُوعُ مَنْ يُسَاقُ،
وَقَدْ نُزِعَتْ مِنْ قَلْبِهِ آخِرُ بَذْرَةِ امْتِنَاعٍ.
هُنَيْدَةُ زَيْدَانَ








