كل ما يلي، مجرد محاولة لتثبيت ظلّ عابر قبل أن يذوب.
عثرت عليها بين أوراق قديمة، تذكرة سفر بتاريخ مضى، وجهة بعيدة ومقعد محدد ينتظرني. تذكرة لم تُستخدم قط، بقيت كوثيقة لرحلة لم تبدأ، كحياة ظلّت مؤجلة عند البوابة.
يومها: كنت واقفًا في المحطة، أستند إلى حقيبتي، أقبض بيدي على تذكرة سفرٍ وحيدة بطاقتي لعبور حياة جديدة، مفتوحة على احتمالات لا نهائية.
أراقب وجوه المسافرين، كل منهم يحمل قصته المطوية داخل حقيبته، وبينما كنت أنتظر دوري لأصعد إلى قطار لا يعود، رنّ الهاتف.
جملة قصيرة أعادت تشكيل العالم والزمن من حولي “رحلت أمك”
في لحظة واحدة، انطفأت الوجهة التي كنت أظنها خلاصًا، وتحوّل السفر إلى عودة قسرية، لينكمش الطريق فجأة حتى اختزلني في نقطة بلا مخرج.
غريب أن الورقة التي لم تُستعمل صارت أثقل من كل التذاكر الممزقة بعد الوصول.
فالرحلة التي لم تتم بقيت أنصع وأشد حضورًا من كل الرحلات التي عشناها ثم تلاشت تفاصيلها.
ومنذ ذلك اليوم كلما نظرت إلى التذكرة القديمة، أشعر أنني ما زلت واقفًا في المحطة، حقيبتي بجانبي، وقلبي معلق بالنداء الذي لم ألبّه.
عالقًا بين عالم انهار قبيل عودتي ولم يعد كما كان، وعالم لم أبلغه قط وبقي بابًا مواربًا في خيالي، بابًا إلى كل احتمالاتي المهدورة.
ماذا لو سافرت؟ من كنت سألتقي؟ أي تفاصيل كانت ستتشكل؟
ربما لأننا لا نخسر ما لم يحدث فعلًا، بل نخسر نحن بالخيال ما كان يمكن أن يكون.
تذكرة لم تُقطع.. ونداء لم يُلبَّ، لكنه ظل يسكنني كأثر.
ليست كل الرحلات من أجل الوصول، بعضها يبقى ليذكرنا أن للغائبين أيضًا محطات،
وأننا أحيانًا نقيم زمنًا طويلًا في الطرق التي لم نسلكها، أكثر مما نقيم في تلك التي عبرناها.
فالحياة لا تحدث فقط في الحكايات الكبيرة… بل في الفُتات، في الصمت، وفي العادي جدًا. لنحتفظ بها كهوامش غير قابلة للطي..
رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.