
شبح العنوسة
قصة قصيرة بقلم: دعاءزيان
اليوم ذكرى مولدي، أتممت ستين ربيعًا، أنا إمرأة تقليدية أشبه جدات الزمن الماضي، أعشق طقوس العائلة، دفء المنزل، لا أغادره إلا إن اضطررت لذلك، كان نصيبي محدودًا من كل ما تمتلكه النساء من فتنة ودلال، لا أعرف لماذا أسماني والدي رحمه الله بحور! وهل يمكن أن تكون الحور بهذه الصفات؟
في صباي، لم يدق الباب لخطبتي شاب واحد حتى تخطيت الثلاثين، شبح العنوسة أصبح يقترب، رأيته يلوح أمامي، وكعادة بنات الريف إن تأخرن في الزواج، يحطن بشفقة من حولهن من المقربين أو ربما شماته بعضهم وإن لم تقولها الأفواه قالتها العيون.
في صبيحة يوم العيد، جاءت لزيارتنا عمة والدتي ” شادية” وهي تحمل البشارة،عريسًا للمرة الأولى، يالها من فرحة غامرة اجتاحت قلبي المتلهف.
الشاب يدعى “عبد الرحمن” في الثالثة والثلاثين من عمره، لم يسبق له دخول القفص الذهبي، يعمل مع والده في شركته الخاصة، وكالسائد في ذلك الزمان أحضرت صورة له، إنه وسيم للغاية، أيعقل هذا!؟ شاب بهذه الصفات، يتقدم لخطبتي؟ نهش الشك عقلي، سألتها مازحة:
-وما عيب هذا الوسيم؟ هل يخفي علة ما؟
صمتت قليلا ثم قالت بلهجة مطمئنة:
-ليست علة حبيبتي، إنها إرادة الله، لقد فقد بصره في حادث منذ خمسة أعوام..
سبقني لساني بالحديث، قلت:
– فليجرى جراحة طارئة.
أردفت منكسة رأسها:
-أجرى العديد، باءت جميعها بالفشل.
ندبت حظي، الدمع بداخل الروح لم يصل للمقل، علمت جدتي رحمها الله بالأمر..
قالت بهدوء وهي تحتضن كفي :
– لعل مع الضرير ،حياة يملأها العبير، اجلسي معه أولًا، استمعي لحديثه، اقتربي من قلبه ثم بعدها قرري.
جلسنا سويًا عدة مرات، كم هو رائع، خفيف الظل، يأسر القلب في ثوانٍ معدودة، تزوجنا في غضون شهرين، تملكني الخوف في بداية الأمر من عدة أشياء، ما رواه لي عن نفسه قبل الحادث..
كيف كان دائم السهر، يعشق الحسناوات، ذوات الشعر الطويل المموج “كيرلي” مثلما تقول فتيات هذا الجيل، يبغض المسؤلية، فربما سيحملني مالا أطيق من أعباءه الخاصة.
تفكر وتقلق وتعكر صفو حياتك، ويشاء الله أن يحدث عكس ما نزغه الشيطان بعقلك، لقد وهبني الله زوج محب متعاون، يبصر أكثر مني.
أنجبنا أربع رياحين، سهر وأعباء لا تنتهي لتربيتهم شاركناها سويا، ليل ينقضي ونهار يليه والصغار تكبر، وهو يهدهد ويعلم، لم أر عجزه يومًا، لكن ذلك البغيض استمر في وسوسته، بأنه سوف يرى يومًا ويبغضني ونفترق.
الطب يتقدم، وقطار العمر يفر، وهو يجاهد بآمال عظيمة أن ينجح في مراده ويرى أخيرًا النور الذي فارقه، ويرى زوجته وأطفاله.
مرت عشرة أعوام كحلم، فجأة تم التجهيز للعملية، نجحت هذه المرة، أخبرني الطبيب بحدوث المعجزة، انزويت في زاوية الغرفة، وضعت أمامه أطفالنا، لم أتجرأ على الاقتراب، ظل يقبل في الصغار ثم أبويه، ثم بدأ يتجول بعينيه في أنحاء الغرفة باحثًا عني ،عندما رآني قال بصوت مبحوح:
– أخيرًا رأيتك..
جرت الدموع من عيني بغزارة، انتابني الفزع
أكمل:
– اقتربي..
ساد الصمت، إلا دقات قلبي، أصدرت سمفونية شاذة، جسمي بأكمله يرتعد، سحبت قدماى عنوة لأصل إليه، عندما دنوت منه، قهقه وهو يقول:
-أجمل بكثير مما تخيلت..
قَبَّل يداى أمام الجميع..
شيطاني اللعين ما زال يسيطر على عقلي بأن ما قاله كانت مجرد مجاملة، حتى لا ينقص من قدري أمام عائلته وأولادي وسوف تتغير معاملته بعد ذلك، لكن ذلك لم يحدث، فقد زاد عطفه ومودته، بالرغم من وجود الفاتنات حولنا بكثرة في العائلة والجيران، إلا إنه لم يعيرهن انتباهًا.
توفى والداي في حادث مأساوي، انطويت على نفسي، حل محلهما منذ الساعات الأولى للوفاة، أصبح أمًا حنونًا وأبًا معطاءً.
مرت السنون وهو ثابت على حاله، رجل حقيقي، أدركت حكمة الله فيما فقد.
دعاء زيان












