أخبار مصرأدبيمقالات متنوعة

هنا غزة

هنا غزة
بقلم: شيماء عبدالمقصود

هنا غزة..
هنا قلب الحدث..
هنا غزة.. قبل هدنة الموت..!!
هنا مثلث الرعب… مقاومة، جيش عدو، وبينهم شعب أعزل..
هنا الاستشهاد الجماعي
هنا الأبرياء
هنا الإبادة الجماعية
هنا قُصفت أغصان الزيتون
هنا المعركة الحقيقية
إما الاستقلال التام أو الموت الزؤام
هنا الطفولة البريئة تلطخت بالدماء..
هنا شهداء الطفولة
هنا كل يوسف “شعره كرلي وأبيضاني وحلو” هنا كل طفل مات في لحظة غدر..
هنا الأحلام السجية كانت أبسط ما يكون..ليست سوى مكان آمن يختبئ فيه يوسف بعيدًا عن إخوته كي يسرع هو الأول فيصل لمكانه أمام الحائط ويلمسها قبل أن يمسكه أو يلحق به أحد من إخوته.. فلحقه صاروخ ضرب البيت في لحظة وانقلب المكان رأسًا على عقب…

هنا (6000) طفل شهيد أو ما يزيد قبل هدنة الموت كان لهم حق مشروع في الحياة، ستة آلاف طفل أو ما يزيد سقطوا شهداء، كانت لهم نفس الأمنيات البسيطة التي يطلبها أبناؤنا، كان لهم حقٌ في اللعب والضحكات بنفس طريقة أبنائنا.. حقٌ في التعليم، حقٌ في المدارس التي أبيدت بما فيها، حقٌ في اللبس الجديد الذي خرج من بين الركام ولم يهنأ به صاحبه بعد..حقٌ في الألعاب التي وُجدت تحت الأنقاض بقبضة رفات الأطفال..!!

وهنا أم يوسف.. التي هزت قلوبنا برجفة قلبها التي سمعها العالم من كل حدب وصوب، بكل حرف لفظت به “وينه حبيبي”..
هنا لحظة أقسى ما يكون تمر على قلب أي أم ..
هنا الموت بأبشع صوره.. مر على كل أم بغزة.. حين تبدأ الواحدة منهن رحلة البحث عن أولادها بعد انتهاء القصف بين الحطام تارة، وبين المصابين تارة، فلم تجد في نهاية المطاف إلا سبيلًا واحدًا…ذاك الطريق الذي يأبى قلبها السير فيه، ويُكذب عقلها تصديقه.. طريق مشيناه مع أم يوسف خطوة خطوة.. فكأنما كانت تمشي على شوك.. تقدم رجل بكل قوتها وتؤخر أخرى عسى أن يناديها مناد من ورائها ويقول لها: ها قد وجدنا يوسف ابنك مع المصابين، أو ربما.. ربما كانت متخيلة أن تكون كل هذه الأحداث التي تمر بها في ذاك الوقت ما هي إلا “كابوس” وستنتهي أضغاثه بعد لحظات.. فتمر اللحظة وراء اللحظة والحجرة وراء الأخرى إلى أن وصلت للمنتهى.. ذاك المكان الذي تفر منه منذ بداية رحلة البحث عن حبيبها وفلذة كبدها..فتفيق على جثتٍ هامدة.. هشمتها أيادٍ سوداء..

وهنا..لا تجد الأمهات إلا خيارين لا ثالث لهما؛ إمَّا أن يعثرن على جثث أولادهن فيحمدن الله، أو إما يجدن أولادهن أشلاء.. مفحمة وإن وجدت.. وأيضًا يحمدن الله..!!

وهنا أبو يوسف.. الذي وقفنا أمام صموده في تلك اللحظة متعجبين لموقفه الذي لا يُحسد عليه، لقد صحح معاني كثيرة بداخلنا بقوة إيمانه وثباته عند فجيعة القدر..فلا يقل موقفه عن موقف ذاك الأب الذي كظم حزنه وألمه لحظة استشهاد أحد أبنائه، كانت كلماته بمثابة رسالة لكل فلسطيني دمه حُر يمر بتلك الفجيعة “ما تعيطش يا زلمة، إنت زلمة، إحنا مشاريع شهداء”
_ربح البيع يا أبا الشهيد.. لقد ربح البيع _!!

وهنا لا تنسوا ريم وطارق “روح الروح” اللذيْن حملهما جدهما..وهو في حالة شرود وعدم تصديق لما حدث لهما..
احفروا تلك الصور والكلمات على جدران قلوبكم.. واحفظوها عن ظهر قلب ورسخوها بذاكرة عقولكم لا على ذاكرة هواتفكم وحسب..!!

بدي شعرة منه..،
خليه في حضني شوي أوم ياما ارضع ..،
كان عايش والله..،
أولادي ثلاثة يا عالم، دوروا معي بلكي بلاقيلي واحد عايش..
كنت ناوي أعمل لها عيد ميلاد..
تعالوا لي بالمنام والله بشتقلكم..
هاي أمي بعرفها من شعرها..
قولي إنك عايشة يا ما..
ماما ماتت يا عمو..
بلغوا رسول الله أن أمتك خذلتنا..
ما بدي أحط بنتي بالثلاجة
لمين بدي أحكي يا ما..
يا ريتني ضليت معك..

ما سردته هنا _بعض من كل _ وما خفي من بعد هدنة الموت كان أعظم، هذا نموذج مصغر لمأساة حقيقية يعيشها شعب بأكمله لا أظن أنها مجرد أحداث عابرة ستمر مرورًا وقتيًا وبعدها ننسى ..
لا.. لأن غزة قطعًا وبلا أدنى شك غيرت فينا ما لم نكن نحسبه أنه كان سيتغير يومًا ما..يكفي أنها علمت عقد جيل كامل مشقة وبسالة الدفاع عن الوطن لآخر قطرة نفس .. حتى لو استدعى الأمر التضحية بالأب والأم والأولاد وأغلى ما يملك الإنسان.. وكان الشاهد على ذلك جميع المراسلين والصحفيين وجميع العاملين بوسائل الإعلام الذين وقفوا وما زالوا يدافعون ببسالة وشجاعة وهم بصدد الجبهة الأولى في ساحة القتال، خسروا كثيرًا من أفراد عائلتهم، وكان أبرزهم وائل الدحدوح مراسل قناة الجزيرة في قطاع غزة، واستشهاد الصحفي ساري منصور واستهداف منزله بمخيم البريج.. وغيرهم الكثير، وبحسب لجنة حماية الصحفيين قُتل 53 صحفيًا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول وحتى الثاني والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني منهم 46 فلسطينيًا و3 لبنانيين، كما أصيب أيضًا 11 صحفيًا، وفقدان ثلاثة واحتجاز 18 آخرين، بالإضافة إلى أربعة صحفيين إسرائليين.

لقد تعلمنا منك يا غزة.. أنه مهما كانت قوة العدو غاشمة فمن السهل مقارعتها والتصدي لها فقط بالإيمان وبالقوة والإرادة الحرة، تعلمنا منك يا غزة.. أن الطفل الذي كان يومًا يمسك حجرًا صغيرًا ليرميه على عدوه وإن لم يصبه.. سيأتي اليوم الذي يحمل فيه السلاح ويقف لعدوه وجهًا لوجه.
تعلمنا منك يا غزة أن.. المزايدة على حرية الوطن ولو بقطعة منه ما هي إلا نذالة وخسة، والإبادة الجماعية والاستشهاد على يد العدو أشرف وأطهر من التفريط في شبر واحد من أرض الوطن، درسنا في التاريخ أن الهدنة إيقاف مؤقت للحرب بين كلا الطرفين وبعدها تهدأ الأوضاع.. فتعلمنا من صمود غزة أن الهدنة عندهم استعداد للحرب الحقيقية والإبادات الجماعية..

تعودت أن أقتبس في آخر كل مقال جزءًا من مقال أو يومية لكاتب آخر.. لكني هنا لم أكن بحاجة لهذا الاقتباس.. حقيقةً لم
أشعر أني بحاجة إلا لشئٍ واحدٍ في تلك الأيام.. هو أنني أريد ألَّا أشعر..!!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي