أخبار مصر

التربية بالقدوة لا بالتنظير     

التربية بالقدوة لا بالتنظير   

بقلم : ليلي صبحي         

التربية والتعليم بالقدوة من أفضل أنواع التعلم ، وبدون القدوة تصبح العملية التربوية ناقصة ومبتورة ، فالتربية بالقدوة لا بالتنظير هي التربية الإسلامية الصحيحة ، فمن الجدير بالذكر أنه عندما وصفت السيدة عائشة رضي الله عنها النبي صلي الله عليه وسلم قالت كان خلقه القرآن إذا تحولت تعاليم القرآن إلي خلق وسلوك .

من حكم الله سبحانه وتعالي أن جعل الأنبياء من البشر ، حيث تقتدي البشرية بهم ويكونوا أسوة صالحة نحذو حذوها ،وأنه لو كان الأنبياء من جنس آخر فإن البشر كانوا سيفتقدون القدوة ، قال الإمام القرطبي في تفسيره ” كل جنس يأنس بجنسه وينفر من غير جنسه” ، حيث لا تكفي الكلمات والمواعظ لصالح الإنسان، فلا بد للشخص أن يري تلك الكلمات سلوكاً متجسدا في الحياة .

وفي سياق متصل احتلت القدوة أو الاسوة الحسنة موقعها في القرآن الكريم ، فإذا ما طالعنا القرآن نجد أن مفهوم الأسوة الحسنة جاء في سياقين أحدهما يتحدث عن النبي صلي الله عليه وسلم في قوله تعالي ” لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الاخر ، وذكر الله كثيرا”

ومن ثم الحديث عن إبراهيم عليه السلام في قوله تعالي ” قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ” .

التربية بالقدوة لا بالتنظير ، فصدقة نضعها في يد فقير أمام أبناءنا تعادل الف درس عن الصدقة ، وورقة نضعها في سلة المهملات أمام أبناءنا تعادل الف درس عن النظافة ، القدوة هامة جدا في التربية وأحد أركانها الأساسية ، وبدونه تصبح العملية التربوية ناقصة ومبتورة ، إذ لا تكفي الكلمات والمواعظ لصلاح الإنسان ، فلا بد أن يري الابن تلك الكلمات سلوكا متجسدا في الحياه ، وتشير اللغة أن القدوة هي أصل البناءالذي يتشعب منه تصريف الإقتداء.

   علي سبيل المثال لا الحصر، أن الأطفال لا يفعلون ما نقول ، بل يفعلون ما نفعل أمامهم لأنهم يقلدونها، فإذا ما أردنا أن نقنع طفلنا بالقراءة بدلا من اللعب بالموبايل مددا طويل، فلا بد أن نقرأ أمامهم العديد من الكتب والمجلات وعلي مراي منهم ، فالاطفال لا يسمعوننا بل يقلدوننا، فالقدوة حاجة إنسانية تربوية ، وغيابها في عملية التربية بالقدوة أزمة ، كما أن وجود قدوة يخالف قولها ما تفعله يعد أزمة أشد في عملية التربية .

قال جون هولت John Holt في كتابه “كيف يفشل الأطفال”How children fail” ليس علينا أن نجعل البشر أذكياء ، فقد ولدوا أذكياء ، كل ما علينا فعله هو التوقف عن فعل الأشياء التي جعلتهم أغبياء،القدوة هي التي تنفخ الروح في الكلمات والمواعظ وتجعلها حية، وبدون القدوه تصبح الكلمات جوفاء، فالقدوة هي التي تجعلها ممتلئة قادرة علي البقاء والاستمرار .

عن التربية بالقدوة كان الغزالي يري أن وزر العالم في معاصيه أكثر من وزر الجاهل لأن ذنبه ومعصيته ممتدة، إذ تقود معصية العالم والفقيه أو رجل الدين إلي تدمير قيمة الدين ذاته ، وقد كان أعلام الصوفية كمثال يرون أن الشيخ إذا فقد ميزة الإقتداء أصبح خطرا محدقا ، فالخبرة التربوية تقر بالتلازم بين الحال والمقال، أي بين العلم والعمل.

وقد كان للصوفيين تأثير عميق في تشكيل الوعي والسلوك لأنهم قرنوا المواعظ بالاقتداء السلوكي ، وكما عرفنا في الفلسفة الإسلامية العلاقة بين الشيخ والمريض، حيث كان أحد أعلام الصوفية ويدعي ” أبو علي الدقاق ” قال إن الشجرة إذا انبتت نفسها بنفسها من غير غارس فإنها تورق ولكن لا تثمر .

وفي نفس السياق كانت تجربة التعليم في التربية الإسلامية ذات تأثيرات عميقة إذ جمعت بين التعليم والاقتداء ، كان الطالب يلزم شيخه أخذا منه علمه وخلقه وسلوكه ، وهو ما جعل التاثير ليس فقط في بناء العقل فقط ولكن يمتد الي التأثر الاخلاقي ، كما يري الدكتور ” علي الوردي” في كتابه ” وعاظ السلاطين” انه وضع قدوات عالية مما ينعكس سلبا في الاقتداء ، إذ يجعل الاقتداء عملية بالغة الصعوبة.

 في المجتمات الحديثة ما يعمق مفهوم القدوة السلبية طرح نماذج للقدوات المادية التي ترسخ مفهوم الانسان الوظيفي الذي تم اختزاله في الجانب المادي فقط ، مع اغفال أن القدوة تقتضي المطابقة بين القول والفعل ، وفي إحدي الدراسات تتبع علماء النفس تأثير القصص الإيجابية علي الأطفال الأمريكيين من عام 1800م حتي عام 1850م ، حيث لاحظ الباحثون أن تلك القصص الإيجابية زادت بنسبة 66% ، وأن ذلك انعكس في براءات الاختراع التي زادت سبعة أضعاف في الفترة من عام 1850 م حتي عام 1890م ، ومن ثم فالقدوات غير التقليدية في التفكير والنماذج التي طرحتها القصص فتحت أذهان الناشئين والمراهقين علي ضرورةعدم التوقف أمام الصعوبات وضرورة تجاوزها ، فالقدوة أقوي من الكلمة.

عن دور القدوة في تنمية الإبداع وتثبيت قيم التفكير الإيجابي ، فالصغار عندما يقص عليهم سير المبدعين وكيفية مقاومتهم للفشل ، وقدرة المبتكرين علي التفكير خارج الصندوق بطريقة مختلفة ومبتكرة .

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي