مازلت أرى في عتمة الليل البهيم وهجًا من ضوء يشق الظلمة؛ ليأذن بميلاد فجر جديد يحمل البشرى بأغاريد طير وبهجة عيد.
فإذا تعانقت القلوب، وتبارت الأنفاس في ساحة المحبة، وتعالى النبض في سياق المشاعر، فاعلم -صديقي- أن الحياة مازالت بخير.
وسوف أبقى حاملًا الغصن الأخضر في قلبي، وأنتظر كل صباح ميلاد الأمل؛ لأنشده أعذب أشعاري.
هذه الآلام التي تحاصرنا وتسكب الدمع من مآقينا، لعزيز فقدناه، أو حبيب ندعو له بالشفاء تأخذ أجزاءً من عمرنا وتدمي قلوبنا، تقبض أحلامنا وتتركنا على رفوف الحنين نجتر الذكريات، لكن رحمات ربنا لمن فقدناه وصلواتنا لمن ندعو له بالشفاء ستقينا من السقوط في هوة اليأس وأنين الفقد ولوعة الأسى.
يحدثني الصباح حديث فأل
بأن الحزن يعقبه ابتهاج
ويخبرني شعاع الشمس دومًا
ألا إن الكروب لها انفراج
نعم نستفيق كل صباح على صورة موشحة بالسواد وكلمات حداد، ولا غرابة أن يكون هذا الوقت أوان الموت والحصاد، حتى أننا نرى في هذا الفقد وهذه الآلام أن الموت صار بلا نواح، أو حتى مشاعر وداع.
وكيف يتملكنا القنوط، ولدينا في الثقة بالله ما يقينا ويحمينا من الزلل والاحباط؟
أنا والفجر وأشعاري
فهذا هو الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- تموت زوجته الحبيبة خديجة، فتحاصره الهموم والآلام، فيستلقي في فراشه حزينًا.
تتملكه آلام الفقد، فيأتيه الروح الأمين بالبشرى، ويعرج به؛ لتفتح له أبواب السماء بعد أن أثخنته جراح الأرض، وتنزل أكثر آية رجاء في القرآن الكريم :
{ولسوف يعطيك ربك فترضى}
ولما دعا نوح عليه السلام:
{إني مغلوب فانتصر}
لم يخطر بباله أن الله سيغرق البشرية لأجله، وأن سكان العالم سيفنون إلا هو ومن معه في السفينة.!
ولما أطبقت الظلمات على يونس عليه السلام واشتدت به الهموم، فاعتذر ونادى:
{لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}
أدركته رحمة ربه، فقال جل علاه:
{فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين}.
وإبراهيم عليه السلام طرح ولده إسماعيل أرضًا واستل سكينًا؛ ليذبحه، وإسماعيل يردد:
{يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين}
وكلاهما لا يعلم أن كبشًا يُربى في الجنة منذ خمسمائة عام فداء لإسماعيل عليه السلام.!
هذا وعد ربنا لنا، ورغم همومنا وآلامنا وأنين عذاباتنا، إلا أننا قوم إذا ضاقت بنا الدنيا، اتسعت لنا السماء. فكيف نيأس ؟!
عبير طه سعد رمضان، حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة الفرنسية من جامعة المنصورة عام 2005. تعمل في الصحافة منذ سنوات، وتشغل حالياً رئاسة قسم الديسك بجريدة العدد الأول، بعد توليها رئاسة قسم المقالات بنفس الجريدة. متخصصة في التحرير والمراجعة اللغوية، وتتميز بالدقة والاهتمام بالأسلوب الصحفي المتوافق مع معايير الكتابة الصحفية.