أخبار مصرأدبيثقافةقصة قصيرةمقالات متنوعةنثر

بين أروقة المجموعة القصصية “فنجان قهوة” للكاتبة منى إبراهيم

بين أروقة المجموعة القصصية “فنجان قهوة” للكاتبة منى إبراهيم

بقلم: وفاء داري كاتبة وباحثة/ فلسطين

 

بين أروقة “فنجان قهوة” للكاتبة منى أحمد إبراهيم، نجد أنفسنا أمام نص لا يقدم القهوة كمشروب، بل كحالة شعورية، كمنبه للذاكرة المثقوبة بالألم واليأس.

تأتي المجموعة القصصية “فنجان قهوة” للكاتبة منى أحمد إبراهيم، الصادرة عن دار ديوان العرب للنشر والتوزيع (التي تتخذ من بورسعيد مقرًا لها وتتبنى شعار “حقق حلمك”)، في مئة وثمانين (180) صفحة من القطع المتوسط.

تضم المجموعة بين دفتيها أكثر من 35 نصًا أدبيًا ، موزعة على ثلاثة فصول (قصاصات بيضاء، قصاصات ملونة، فنجان قهوة). هذا العدد يمنح المجموعة ثقلًا وتنوعًا، حيث تنتقل من الواقعية الخشنة في “لا أحب الفاصوليا” إلى الغنائية الوجدانية في “فنجان قهوة”.

الأسلوب واللغة:

هنا، اللغة ليست أداة توصيل باردة، بل هي “جسد” يرتعش. نجد الكاتبة تكسر رتابة السرد عبر جمل تتدفق بحرارة؛ ففي قصة “لا أحب الفاصوليا”، لا تصف الحافلة كمجرد وسيلة نقل، بل كأداة تعذيب حيث “المقعد الحديدي يفتقر لأدنى معاني الراحة” و”المسمار البارز” يطعن هيئة الموظف الحكومي الموقرة.

هذا “التوتر السردي” هو انزياح ذكي يخرج النص من نمط الذكاء الاصطناعي المسطح إلى طبقات من القلق الوجودي الذي لا يمكن للآلة محاكاته بصدق.

تجلّت القوة في تفكيك التفاصيل اليومية البائسة (كرة الجوارب المهترئة، أمطار القمامة من الشرفات)، مما يضفي “عمقاً باحثًا” في سوسيولوجيا الفقر والطبقة المتوسطة. 

ومن جانب آخر قد يؤدي كثرة عدد القصص وهي أكثر من (35 نصًا) إلى نوع من “التكثيف الزائد” الذي قد يربك القارئ الباحث عن خيط سردي طويل، كما أن بعض القصص تميل للنهايات الدرامية المتوقعة (انتهى كل شيء). وهذا طبعًا لا يؤثر على جوهر المجموعة القصصية.

الثيمات والرسالة:

تتشابك القصص (الـ53 نصًا) حول ثيمات “الاغتراب” و”البحث عن الأمل”. الرسالة تكمن في أن “فنجان القهوة” هو الرفيق الذي لا يخلو منه الروع، وهو المحرض على نفض “غبار اليأس”. ثمة صراع خفي بين “إرث الوظيفة” (أبًا عن جد) وبين “الرغبة في التحرر” التي تظهر في مشهد الاغتسال بمطر الحرية في القصة الأخيرة.

البعد الفلسفي (أنطولوجيا اليومي والرتابة)

تتخذ الفلسفة في هذه المجموعة اتجاهًاوجوديًا واقعيًا؛فالإنسان عند منى إبراهيم ليس بطلًا ملحميًا، بل هوكائن المقهىوموظف الحافلة“. مثل: فلسفة (اللحظة المقتطعة): يمثلفنجان القهوةفي نصوصها أداة (توقيف للزمن). الفنجان هوالفاصل الفلسفي بين ضجيج الخارج (المجتمع، الوظيفة، الفقر) وسكون الداخل. إنها دعوة للتأمل في العدمية التي تفرضهاالحياة الحديثة، ومحاولة إيجاد معنى فيرائحة البنأوقطرة مطر“.

كذلك ثنائيةالقيد والحرية“: تبرز فلسفة (الجبرية الاجتماعية) في قصص مثللا أحب الفاصوليا، حيث يبدو الفقر والرتابة كقدر محتوم لا فكاك منه. الكاتبة تتساءل فلسفيًا: هل نحن مخيرون في أحلامنا أم أنمسمار المقعد الصدئفي أتوبيس الهيئة هو الذي يحدد مسار وعينا؟

أما من جانب البعد النقدي (جماليات القبح والواقعية المشوهة) فمن منظور النقد الأدبي الحديث، يمكن قراءة المجموعة كنموذج لواقعية التفاصيل الصغيرة:

1. نقدالمؤسسة والبيروقراطية“: تمارس الكاتبة نقدًا لاذعًا لمنظومة الموظف المطحون. هي لا تنقد السياسة مباشرة، بل تنقدأثرهاعلى الروح؛ فكرة توارث الوظائف والفقر تُطرح كتشويه للهوية الإنسانية.

2. تفكيكالعلاقات الباردة“: نقديًا، تنجح المجموعة في تعرية المسكوت عنه في العلاقات الزوجية (الاغتراب الزوجي). الصمت في قصصها ليس هدوءً، بل هوفعل نقدييعبر عن انهيار لغة التواصل في المجتمع المعاصر، حيث تتحول المشاعر إلىقصاصاتممزقة.

3. اللغة كأداة انزياح: لغويًا، تبتعد الكاتبة عن التنميق الزائد لصالح (اللغة المتوترة) التي تشبه نبض الشارع. هذا الانزياح من الشاعرية إلى (خشونة الواقع) يعزز البعد النقدي، حيث يصبح القبح الوصفي (القمامة، الزحام، رائحة الطبخ الرتيبة) قيمة جمالية تهدف لاستفزاز وعي القارئ.

البعد الفلسفي والنقدي فيفنجان قهوةيكمن في تحويلالعاديإلىجوهري“. إنها قراءة نقدية لمجتمع يحاول استعادة إنسانيته عبر تفاصيل بسيطة، محذرةً من أن تبردقهوة العمرونحن ننتظر في طوابير الحياة التي لا تنتهي. الكاتبة هناباحثةفي النفس البشرية، تفكك أوهام القناعة الزائفة لتبحث عن حقيقةالرغبةالمكبوتة.

في النهاية، تقدم منى أحمد إبراهيم اعترافًا بأن الحياة ليست سوى “قصاصات”. الكتاب هو محاولة لتجميع تلك الشظايا في فنجان واحد، لنكتشف أن السحر لا يكمن في القهوة ذاتها، بل في تلك “الرجفة” التي نشعر بها ونحن نقاوم التحول إلى مجرد تروس صامتة في آلة الزمن. نحن فراشات ذهبية تلمع في بركة ماء المطر، نركض خلف أحلامنا حتى لو كانت مجرد “سراب” يلاحقنا في الظلام.

مروة تليمة

رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي