المجتمع كائن حى، المجتمع إنسان مكتمل، له روح وجسد، أما الجسد فهو مجموع أعضائه من البشر ومجموع كل مافيه من أشياءٍ، وأما الروح فهى ناتج التفاعل بين أعضائه.
الروح هى كيفية التعامل والسلوك السائر بين أعضاءِ المجتمع، هي اللغة التى يتبادلها الأعضاءُ فيما بينهم، هى الابتسامات التى على شفاه الناس، هى التعاون فيما بينهم، هى الطرق التى ينهى بها الأعضاء شجاراتهم، وكلما كانت هذه الروح سامية كلما دبت فى أوصال المجتمع حالة من النشاط والحيوية، وكلما كانت الروح نشطة بعيدة عن الكسل والتكلس، كلما كان المجتمع سعيدًا، لكأنَّهُ إنسان يعبر عن سعادته بابتسامةٍ رائقةٍ على شفتيه ، وببشرٍ واضحٍ على محياه، وبهدوءٍ بادٍ على أدائه وسكينةٍ ساريةٍ فى كل أرجائه.
ربما كانت هذه المقدمة بلغة المنطق، هى ما ينبغى أن يكون عليه المجتمع السوي، المجتمع الأخضر الندى، ولقد اخترت الخُضرة صفة للمجتمع السوى، لأنَّها تأتى من كائن حي آخر غير الإنسان. المجتمع الأخضر ليس هو الذى تنتشر فيه الأشجار على جوانب طرقه، ولكنه المجتمع الذى يمتص أعضاؤه سمومَ الفعال ويحولها إلى أكسجين الحياة، ولكن ومما يؤسف له أنَّكَ تجد بعض المجتمعات، وأخُص منها مجتمعنا، يسير نحو الذبول والجدب والجفاف، ولذلك جعلتُ عنوان هذه السلسة من المقالات تحت عنوان قبل الجفاف، قاصدًا بذلك لإعادة سقاية المجتمع ببعض من ماءِ الحياةِ التى إن سرت فى جسدهِ عاد إلى سيرته الأولى من الاخضرار، ومن ثم اشتد عوده وازداد قوةً فى مهبِّ الرياحِ العاتية.
وإن الأمر ليس من الصعوبة بمكان بل هو إلى اليسر أقرب، ونحن هنا فى هذه السلسة من المقالات سنناقش معًا بعض المظاهر التى ضربت مجتمعنا فى مقتلٍ فبان اصفراره وذبوله، حتى كادَ أن يسقط كما تسقط الأشجار الخاوية، وإذا ما عاد الري إلى محتمعنا ببعضِ الأمورِ التى قد يراها البعض هينة، إلَّا أننا سنجد أنها عظيمةُ الأثرِ فى بث الروح للجسد.
أقولُ إذا ما عاد الري إلى مجتمعنا صرنا أقرب إلى الكمال، واقتربنا من مراد الله فينا وتحقق فينا قوله سبحانه “ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم”، وأظن أنَّ الجفاف الذى يضرب المجتمع لهو العذابُ بعينه، وأظن أنَّ الشكر الحق هو السير على النهج لتحقيق مراد الله فينا.
كلمة شكرًا؛ كلمة من أربعةِ أحرفٍ خفيفة على اللسان ثقيلة فى ميزان الروح، لماذا غابت هذه الكلمة عن ألسنتنا؟ ماذا ستخسر إن قدم لك ولدك الصغير كوبًا من الماءِ فقلت له شكرًا؟، ستفعل فى روحهِ فعل السحر، سيشعر أنَّهُ قام بعملٍ كبيرٍ يستحق عليه الشكر وسيحرص على تلبيةِ ندائك دومًا. ماذا ستخسر عندما يناولك أحدهم شيئًا سقط منك فقلت له شكرًا؟
ماذا ستخسر إذا قلت لسائق التاكسى بعد أن تصل مكانك شكرًا؟
إنَّ الجفاف الذى يبدو فى تعاملات الناس، أوضح ما يكون بدون هذه الكلمة الصغيرة المبنى الكبيرة الاثر، حالة من “الجليطة” الواضحة فى غياب هذه الكلمة.
تخيل لو أصبحت هذه الكلمة هى جواز المرور لقلوبِ أعضاءِ المجتمع، ستعيد شحذ الهمم، تاركةً أثرًا رائعًا فى نفوس الناس، ستعيد إليهم ثقتهم فى أنفسهم، سيحرص الجميع على تقديم يد العون للآخر لأنَّهُ يعلم أنَّ هذا الآخر لن يبخسه حقه المعنوى المتمثل فى كلمة من حروفٍ أربعة، كلمة ستترك ظلالًا خضراء فى شوراع وحارات النفوس التى قاربت على الذبول، ستعيد البسمة إلىٰ الشفاة، ستهب على المجتمع نسمات رطبة ندية تُدخل السرور والبهجة فى نفوس البشر، ستجعل من المجتمع مجتمعًا أخضر.