أخبار مصر
قصة قصيرة

قصة قصيرة
بقلم: منى أحمد إبراهيم
عندما يطال العجز القلوب، ويوهن الشيب النفوس، رغم اتشاح الشعر بسواد الشباب، وعندما يفرد الظلم جناحيه ويتجبر، ويطغى البؤس والشقاء على رقاب العبيد فيتمادى ويتكبر، حينها نستطيع أن نجزم بحلول نهاية ما كانت تسمى يومًا ب “الإنسانية”.
قد نلقي بالتبعية في كل شؤوننا على الله وتدابير القدر، ولكن الحقيقة ندركها جيدًا ونوقرها في نفوسنا ونخفيها خشية افتضاح أمرنا، خشية اكتشاف ضعفنا، وظهور زيفنا، تلك الحقيقة المتمثلة في النقيض ونقيضه؛ الوهن والتكبر، الاستسلام والتجبر، الضعف والقوة، الطغيان والعدل، الكراهية والتسامح، كل شيء ونقيضه حقًا اجتمعوا في داخل النفس البشرية الناقصة رغم افتقارها لأي كمال أو محاولة اكتمال.
لطالما عانت النفس البشرية عبر العصور من طول سيادة سماء الظلم والظلمات، في عالم يقضي فيه القوي على الضعيف، ويُهزم فيه المستسلم المسالم والمستكين ما دام أمسى للحياة زاهدًا ورافضًا، فنجد بالتبعية لكل تلك المساوئ حيوات تتهدم، وأخرى تتحطم وقليل فقط منها ما تنجو وتدوم.
من فرد لفرد، وفصيل لفصيل، نجد أن التداعي يصل للقبائل فالمجتمعات فالدول الكبيرة بأسرها، وكل ذلك نتاج الضعف والهوان والتفكك، فنجد دولًا تهيمن على ما عداها، وتتوعد صغار البلاد على أن يمسها وصب من ويلات الحرب، فتضيع نتيجة لكل ذلك أنفسٌ وأرواح كثيرة، لا ذنب لها سوى أنه قدرها المكتوب حسب موقعها الجغرافي التابع لمطاف الدول الضعيفة، والذي هو أيضا لا يد لها فيه، فنجدهم شتاتًا، ولو اتحدوا يوما لكانوا ونعم القوة التي لا يستهان بها، ويصدق قول المولى عز وجل حين قال: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” آل عمران 103.
توجد الكثير من المجتمعات التي تحكمها كمية مواردها وتقودها أيديولوجية قادتها، علمها وفكرها، دأبها وعزمها، فنجدها قد تكون من قلب الحضيض ظهرت ووصلت وارتفعت، حتى أنها اعتلت قمة شعوب العالم، فطغت وتجبرت، ودهست شعوبًا عديدة تحت أقدامها مدعين بذلك محافظتهم على الأمن والأمان، ومظهرين دأبهم على اللحاق بركب التقدم، شعوبًا منها ما كان له من العراقة والأصالة ما له، ولكن شتات حكامها ولهاثهم المثير للشفقة نحو كرسي الحكم أعماهم فأبادهم وظلمهم، حين اشتروا مناصبهم وشروا شعوبهم بثمنٍ بخس، فكانت أرواح شعوب تلك البلدان هي أول قربانٍ قدموه كي يحافظوا على كراسيهم البائدة، لا حركت فيهم صرخات الثكالى ساكنًا، ولا دماء الأبطال لطخت قمصانهم الحريرية، ولا أرواح الأبرياء كانت لهم قولًا فصلًا أو حدًا فارقًا كي يستفيقوا ويأخذوا موقفًا حاسمًا لا بد من أخذه والتمسك به.
نجد ضجيجًا يتبع كل جلبة إعلامية مع كل حالة إنسانية موجعة، ثم تدريجيًا تخبو شعلة الحماس الباردة، حتى تستحيل بتساهلهم وتغافلهم عن الحق إلى رماد وركام يليق بالواهنين حقًا أن يصبغوا به جباههم من العار والأسف على هذا الحال البائس لعروبتنا المسحوقة ما بين ركب عجلات قادة العالم الجديد، وبين أقدام تابعيهم ممن نسوا ضمائرهم، ليتذكروا فترة يسيرة من حكم زائف لم ولا ولن يدوم لأحد مهما دأب، ولمَ المعارضة؟! فقد يطيحوا به فورًا لو شرع بمجرد التفكير في ذلك، فتكون النتيجة الحتمية بالقوة الواهية لصوت حق يدوي في عهد وراء عهد، وأمام حكم وراء حكم، ولا يسعنا حينها عندما يضيق الحلم من حولنا ليصبح كبصيص وهج موقد ضعيف، سوى أننا فقط نكتب لزماننا.. “قصة قصيرة”.













