ما كان الإنسان ليتعلم أو ليخترع إلا ليمهد عيشه في الحياة وتسهيل المشقات وتذليل العقبات وأخذ جزء من علمه وتسخيره لصنع المدرعات والطائرات والصواريخ وكل ما يعطيه أكثر قدرة على القتل والتدمير.
بينما سلك الجزء الثاني من العلم إلى رفاهية الإنسان وسعادته، وكانت من بين هذه الإبداعات صناعة تكنولوجيا الاتصالات والتي تطورت سريعًا ووضعت الإنسان في مكانة من الانسجام والراحة والمتعة المطلقة.
لقد حققت تلك التكنولوجيا من التقدم وإسعاد ورفاهية الشعوب ما لم تحققه أي تكنولوجيا أخرى في زمننا هذا، حتى أنه أطلق على عصرنا عصر تكنولوجيا الاتصالات.
ولقد أبدع الإنسان في تسخير الإلكترونات والفوتونات والأشعة الضوئية وغير الضوئية والطويلة منها والقصيرة في موجاتها وتذبذباتها، وطوعها تمامًا للراحة والتسلية وإدارة الحياة والرفاهية.
ولكن ما كان يخطر بالبال أنه حتى الجزء المستخدم لراحة الإنسان قد يستخدم أيضًا لتدميره، فقد أصبحت الأجهزة البسيطة التي تملأ الكف أو تقل قنابل موقوتة في أيدي حامليها بكل دم بارد دون علم من يحملونها أو من يستخدمونها بأنها قد تقتلهم في يوم ما.
وأصبح حلم اقتناء بيجر أو لاسلكي أو حتى فون هو امتلاك أداة لقتل من يحمله، وبمعنى آخر هو أنك تشتري قنبلتك التي ستقتلك في يوم ما بدون أن تشعر، هكذا كيف أن أشرار الأرض قد جعلوا الحياة بهذه الطريقة.
إن الله قد خلق الخلق للإعمار ولكن جزء من خلقه صار مدمرًا للحياة والإنسانية، ذلك الجزء الذي قد امتلأ قلبه حقدًا وحسدًا على ما أعطى الله عباده من إيمان ومغفرة وجنة بعد الممات.
جزء امتلأت جنباته بالكراهية لكل من يوحد الله أو يعبده أو يعيش ليعرف أن للكون ربًا اسمه الله، جزء حقده جعله يستغل أي شيء من العلم ليسخره للتدمير والقتل والإفساد الممنهج ونشر الرذيلة والوقاحة بين البشرية.
وصاروا يحسدون الناس على ما آتى غيرهم من فضله ونعمه.
لقد حق قول الله لأملأن جهنم منهم جميعًا، فهم وقود النار مع الحجارة، لقد قست قلوبهم ويئسوا من رحمة الله ولا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون.
وبكفرهم بالله ونعمه وسخطهم على من أنعم الله عليهم ساروا في إفساد الأرض وخرابها، وإنما يؤخرهم الله ليوم تشخص فيه الأبصار.
يوم لا ينفع فيه الندم ولا مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فاللهم أنت عليهم أجمعين ونجنا من القوم الكافرين.
هذا هو الإنسان الحاقد، هذا هو الإنسان الضال، هذا هو الإنسان المنافق، هذا هو الإنسان الذي خرج عن طاعة الله وأوامره واتبع الشيطان ونفسه الأمارة بالسوء.
رحم الله عباده المؤمنين وأعز أهل الخير ونصرهم على أهل الشر.
لقد أصبح البيجر وأجهزة الاتصالات الآن متفجرات في يد مستخدميها، وأصبح كل ما يصنعونه من مشروبات ومأكولات وحتى من السيارات ينبغي مراجعتها والحذر منها لأنهم لا رحمة ولا قلب ولا ضمائر لصانعيها.
والحذر هنا خوفًا أن تكون أدوات قتل لمستخدميها كما حدث في أجهزة البيجر والاتصالات التي راح ضحيتها الآلاف من الإصابات والعشرات من القتلى والوفيات في بلد آمن، ورجال ما كانت لهم تلك الأجهزة إلا لتسهيل اتصالاتهم اليومية.
فأصبحت أجهزة قتلهم وإصابتهم وترويعهم بين ذويهم وفي عملهم ومواصلاتهم وشوارعهم وبين أصدقائهم لتكون خدعة جنونية وإجرام منقطع النظير من فاعليها ومدبريها منعدمي الضمير.
ليصبح هذا علمهم وهذا فكرهم الذي خدعوا به الإنسانية بأنهم أصحاب حضارة وعلم وتقدم وفكر.