أخبار مصر

رواية “سباق مع الزمن” من تأليف نزهة أبو غوش

رواية لليافعين تداوي الفقد بالخيال

رواية “سباق مع الزمن” من تأليف نزهة أبو غوش

بقلم: وقاء داري كاتبة وباحثة – فلسطين

رواية “سباق مع الزمن” للكاتبة الفلسطينية نزهة أبو غوش هي عمل أدبي موجَّه لفئة اليافعين، وقد صدرت عن دار الهدى للطباعة والشر في طبعتها الطبعة الأولى، سنة 2025، وتقع في 62 صفحة تقريبًا.

نزهة أبو غوش، كاتبة وأديبة فلسطينية، وتجمع في كتاباتها بين الأسلوب السلس والرمزية الإنسانية العميقة، مستثمرة عناصر الواقع والخيال في آن.

في روايتها سباق مع الزمن، تطرح الكاتبة نزهة أبو غوش نصًا يتجاوز حدود السرد الطفولي التقليدي تقدّم الكاتبة عملًا أدبيًا مؤثرًا ينتمي إلى أدب اليافعين، موجهة أساسًا للفتيات، تنتمي إلى أدب الخيال الاجتماعي المعاصر، وتستخدم سردًا دراميًا مدعومًا بعناصر رمزية وتكنولوجية ذات أبعاد فكرية وإنسانية، يلامس عمق التجربة الإنسانية في مواجهة الفقد. بأسلوب سلسٍ وشاعريّ، وبلغة مشحونة بالعاطفة، تُبحر الرواية عبر مشاعر طفل يُدعى (ربيع) فقد شقيقته (ياسمين)، ليرافق القارئ في مغامرة نفسية تتوسّل الخيال والتقنية (عدسة الهولوجرام) وسيلةً لاستعادة اللحظة والوجوه والحنين.

“سباق مع الزمن” عمل أدبي تربوي يستحق أن يُقرأ في البيوت والمدارس، لأنه يعلّم اليافعين كيف يصير الألم قصة، والخيال عزاء، والكتابة حياة.

 

الثيمات الرئيسية للرواية:

تتمحور الرواية حول ثيمات الفقدان، الزمن، الذاكرة، والخيال، وتطرح تساؤلات عميقة بلغة قريبة من اليافعين: هل يمكن استرجاع من نحب؟ وهل يمكن للذكريات أن تُنقذ القلب من الغياب؟

– من خلال شخصية “ربيع”، يعكس العمل عمقًا وجدانيًا نادرًا في روايات الناشئة، ويقدم نموذجًا للتوازن بين الحب، الحزن، والنضج المبكر، في جوّ أسري محبّ وأصيل.

– الزمن والذاكرة: الرواية تُفكّك مفهوم الزمن؛ فهو ليس خطًّا مستقيمًا، بل يمكن تجاوزه أو استعادته عبر الذكريات أو الأدوات الرمزية (عدسة الهولوجرام). الذاكرة هنا أداة مقاومة ضد النسيان والموت.

– الخيال والتقنية كوسيلة للهروب أو المواجهة: عدسة الهولوجرام ثيمة تقنية ذات بعد رمزي، تمثل تقاطع الحلم العلمي مع الحنين الإنساني. توظفها الرواية لتوصيل كيف يستخدم الأطفال واليافعون خيالهم لمواجهة الواقع المؤلم.

– الحوار بين الأجيال والوعي المبكر: يظهر في تفاعل “ربيع” مع عائلته ورجل الإلكترونيات؛ حيث يتطور وعيه، ويتعلم التعامل مع مشاعره بطرق عقلانية وعاطفية في آن

الأسرة والحب غير المشروط: العائلة تُقدَّم بوصفها حضنًا نفسيًا داعمًا. يظهر الحزن الجماعي، لكنه لا يمنع التواصل، بل يعززه.

– الرسالة المحورية: الفقدان لا يعني النهاية، والذكريات قادرة على منح الحياة معنى جديدًا. يمكن للخيال والتقنية أن يكونا جسرًا نحو التصالح مع الألم، لا للهروب منه.

كذلك الرواية توجه رسالة تربوية إلى اليافعين أن الحزن ليس ضعفًا. وأن الحديث عمن نحبّ ممن رحلوا هو شكل من أشكال الشفاء. وأن الخيال أداة نفسية قوية، يمكن استخدامها بوعي للتعبير والتأقلم. كما تحمل رسالة خفية إلى الآباء والمربين: أن مشاعر الأطفال عميقة ومعقدة، وأنهم بحاجة إلى دعم عاطفي وفهم، لا مجرد نصائح جاهزة.

 

الأسلوب الأدبي:

 

تتبنّى الكاتبة نزهة أبو غوش في “سباق مع الزمن” أسلوبًا سرديًا تأمليًا رمزيًا، يتقاطع فيه الواقعي بالخيالي، والذاتي بالوجودي، ليغوص في عمق التجربة الوجودية للزمن والغياب من خلال عدسة طفولة متأملة في بنية لغوية شاعرية لكنها منضبطة بالبساطة التربوية اللازمة لأدب اليافعين. الأسلوب قائم على الإيحاء أكثر من التصريح، ما يمنح القارئ مساحة للانفعال والتأويل. يتحرك السرد ضمن ثنائية الوجود والغياب، حيث يصبح الزمن ليس مجرد خلفية للأحداث، بل كيانًا حيًا يندمج بالذاكرة والمشاعر.

العدسة الهولوجرافية لا تُقدَّم كأداة علمية، بل كرمز لتقنية الوعي البشري في استحضار الراحلين، وتجسيد الحنين كبُعد وجودي من بُنى النفس الإنسانية. تفتح الكاتبة مساحة للقارئ اليافع كي يتأمل في سؤال عميق: هل يمكن للخيال أن يداوي فقدنا؟ وهل الذكرى انتصار مؤقت على الزمن؟

تغوص الرواية في عمق التجربة الوجودية للزمن والغياب من خلال عدسة طفولة متأملة. اللغة في الرواية تحمل طابعًا إنسانيًا حميمًا، تختزل العاطفة دون إسراف، وتوظف المشاهد الحوارية لتكثيف البعد النفسي لشخصية “ربيع”. ومن خلال هذا الأسلوب، تنجح الرواية في التعبير عن سؤال فلسفي خفي: هل يمكن للذاكرة أن تنتصر على الزمن؟ وهل الخيال شكل من أشكال المقاومة؟

بهذا، يتجاوز النص كونه سردًا للحدث، ليصبح تأمّلًا في ماهية الزمن، والوعي، والارتباط الروحي بالآخر.

· السرد يتم بضمير الغائب، ويأخذ شكلًا متدرجًا يتنقل بين لحظات تأملية داخلية وبنية حوارية حية تعكس المشاعر المتأججة في نفس البطل الطفل “ربيع”.

· الزمن في الرواية ليس خطيًا؛ بل يتشظى بين الماضي والحاضر، ويتحول إلى وسيلة درامية لتمرير فكرة استعادة من رحلوا.

· المكان: البلدة الريفية ووادي الجوز والمختبر الإلكتروني تمثل فضاءات نفسية ودلالية، يتقاطع فيها الحلم بالعلم والأسى بالأمل.

رغم أهمية القضايا المتعددة التي تطرحها الرواية، إلا أن تنوّعها الكبير ضمن مساحة سردية لا تتجاوز اثنين وسبعين صفحة، أثر على تماسك الحبكة وانسجام البناء الفني. لعل من الأجدى، في هذا السياق، إما اختزال بعض المحاور لتناسب حجم الرواية، أو توسيع المتن السردي بما يسمح بمعالجة كل موضوع بعمق واتساع يتناسب مع ثقلها الدلالي.

 

تحليل الشخصيات الرئيسية:

 

1. ربيع: هو البطل المركزي، طفل يعيش أزمة فقدان شقيقته “ياسمين”. تمر شخصيته بتحولات من البراءة إلى الإدراك الوجودي، ومن الحزن إلى التفكر والتحدي.

2. ياسمين: الأخت الراحلة التي تستعاد رمزياً عبر تقنية الهولوجرام. تمثل الماضي الجميل والحنين والغياب.

3. الأم والأب: يرمزان إلى الألم الصامت والحنان العائلي العميق، ويجسّدان تأثير الفقد على التوازن العائلي.

4. رجل الإلكترونيات: هو شخصية رمزية تقع على تخوم الفلسفة والعلم؛ يمثل البوابة بين العالمين: الواقع والخيال، الموت والذكريات

 

الرؤية الفكرية والجمالية:

الرواية تطرح تساؤلات فلسفية عن ماهية الزمن، جدوى استعادته، ومفهوم الذاكرة الفردية كملاذ من الفقدان. من خلال عدسة الهولوجرام، تُجسِّد الرواية علاقة الإنسان بالتقنية، وكيف يمكن للألم أن يدفع الطفل للتعلق بأي أمل أو صورة تعيد إليه الراحلين.

استخدام العدسة كتقنية درامية كان موفقًا جدًا، حيث أتاح للكاتبة دمج الخيال العلمي في نص أدبي وجداني دون الإخلال بواقعية العواطف. كما أن السرد الشعري المكثف واللغة الوجدانية يمنحان الرواية طابعًا أدبيًا عميقًا يتجاوز الفئة العمرية المستهدفة.

الرواية “سباق مع الزمن” تتيح مساحة للتفكر والنقاش، وتعزز لدى الطلبة مهارات التعبير عن المشاعر، وتنمية الخيال، وبناء الوعي العاطفي والاجتماعي، مما يجعلها خيارًا مثاليًا للأنشطة الصفية واللامنهجية، ومرجعًا داعمًا لمعلمي اللغة العربية والتربية النفسية. وخاصة من الجانب التوعوي وما تتطرق له الرواية حول موضوع المخدرات . وذلك من خلال أسئلة نقاش وأنشطة صفية تربوية مبنية على رواية، ويمكن توظيفها في الصفوف من المرحلة المتوسطة وحتى الثانوية الدنيا، لتعزيز الفهم، التفكير النقدي والتوعوي والمهارات اللغوية والتعبيرية على سبيل المثال.

ختامًا..

سباق مع الزمن ليست فقط رواية عن طفل فقد أخته، بل هي حكاية رمزية عن الحنين، وعن استعادة الماضي بالخيال، وعن الألم العائلي والوعي الناضج المبكر. عمل أدبي ذكي ومؤثر، يثبت أن نزهة أبو غوش تكتب بقلب الأم، وبعين الكاتبة. الرواية تعتبر ” عمل أدبي تربوي يستحق أن يُقرأ في البيوت والمدارس، لأنه يعلّم اليافعين – خاصة الفتيات- كيف يصير الألم قصة، والخيال عزاء، والكتابة حياة.

وفاء داري

وفاء داري، كاتبة وباحثة فلسطينية، متخصصة في اللغة العربية وآدابها، حاصلة على مرتبة الشرف في الدراسات العليا، وعضو فاعل في أندية ثقافية عربية وعالمية. نشرت مقالات ودراسات أدبية في مجلات دولية محكّمة، ولها عدة مؤلفات أدبية. تهتم بالكتابة النقدية والمقال الأدبي والحوارات الثقافية، كاتبة صحفية بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي