أخبار دوليةدينيعربي
أخر الأخبار

عملية “عربات جدعون” حرب إسرائيلية توراتية على أرض غزة

من هو "جدعون" وما رمزيته ولماذا تستلهم منه إسرائيل عدوانها العسكري

بعد انتهاء جولة ترامب الخليجية، يوم 16 مايو الجاري، بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي، توسيع عدوانه على غزة، وذلك بتنفيذ عملية عسكرية كبيرة، أطلق عليها اسم “عربات جدعون”، تهدف هذه العملية، إلى إخلاء شمال غزة من السكان، وإحبارهم على التحرك باتجاه الجنوب. تتكون عملية “عربات جدعون” من ثلاث مراحل، الأول هي التحضير، حيث قام جيش الاحتلال، باستدعاء أكثر من 10 آلاف جندي احتياط، والمرحلة الثانية، هي الهجوم الجوي والبري العنيف، وتكثيف إطلاق النار في كل اتجاه، وإجبار سكان القطاع تحت ضغط إطلاق النار المكثف، إلى التحرك تجاه جنوب القطاع، قرب رفح، المرحلة الثالثة، هي المناورة البرية، واحتلال كامل أرض قطاع غزة، والتجهيز لبقاء طويل الأمد.

جدعون القاضي الخامس

جدعون، هو القاضي الخامس، الذي حكم بني إسرائيل، في عصر حكم القضاة لبني إسرائيل، الذي بدأ  بعد وفاة يوشع بن نون، وقد استطاع “جدعون” هزيمة “المديانيين” الذي احتلوا أرض بني إسرائيل، ودمروا محاصيلها، وقتلوا كل شيء فيها، الحيوان والطير وحتى النبات، – بحسب ما ورد في الإصحاحيين 6، 7 من سفر القضاة – حيث استسلم بنو إسرائيل للمديانيين، الذي كانوا من كثرة أعدادهم، كالجراد المنتشر، وكان يتقدمون على غيرهم بميزة تقنية، تجعلهم يتفوقون في الحروب، وهي ميزة ركوب الجمال، حيث استطاع المديانيين، استئناس الجمال، وركوبها واستخدامها في حروبهم، وكانت تعتبر ميزة عسكرية تنافسية لهم، تجعلهم لهم الصدارة على عدوهم.

ملاك الرب يظهر لجدعون

تقول التوراة في الإصحاحين 6، 7 من سفر القضاة، أن ملاك الرب (أي الملك)، ظهر وجاء لجدعون، وهو يعمل متخفيا في حقل، حتى يستطيع حصاد محصوله، قبل أن يستولي عليه المديانيين، وقال له “الرب معك، أيه الجبار” فقال له جدعون “إن كان الرب معنا فلماذا تركنا وحدنا، وأين عجائبه التي أخبرنا بها آباؤنا، لماذا تركنا الرب الآن، وأسلمنا إلى يد مديان”.

جدعون مع 300 مقاتل

أخبر ملاك الرب جدعون، أن الرب معه، وسيخلص بني إسرائيل، على يديه، وأيدي الضعفاء الذين معه، وأمره الرب أن يخرج بني إسرائيل معه ليقاتلوا المديانيين. تقول الروايات أنه خرج للقتال مع جدعون 32 ألف رجل، ثم أمره الرب، أن يصطفي منهم المؤمنين فقط، ويستبعد منهم ضعفاء الإيمان فاستبعد 22 ألف منهم، ورجعوا إلى قراهم، وبقي مع جدعون 10 آلاف مقاتل فقط، ثم أمره الرب أن يصطفيهم أيضا مرة أخرى، فقام بتصفيتهم من خلال اختبار الماء، كما أخبره الرب – بحسب تفيسيرات اليهود لسفر القضاة من التوراة – فأمرهم جدعون أن ينزلوا النهر، وأن يشربوا من الماء بحذر، فمن لعق منهم الماء بلسانه كما يلعق الكلب، فهو مع جدعون، ومن جثى على ركبتيه ليشرب، ليس معه، فنجح في هذا الاختبار 300 مقاتل فقط، هم الذين لعقوا الماء بألسنتهم كما تفعل الكلاب، أما باقي ال10 آلاف فقد جثوا على ركبهم للشرب، فأكمل جدعون من دونهم، واكتفى فقط بالـ 300 مقاتل الذي شربوا كما أمرهم.

معركة جدعون مع المديانيين

ثم قابل جدعون المديانيين، وهم أعداد كبيرة يومئذ، تفوق جدعون ومن معه بعشرات الأضعاف، فقابلهم فقط بثلاثمائة مقاتل، واستطاع أن يهزمهم، وينتصر عليهم في تلك المعركة التاريخية عند اليهود، وبعد أن رجع جدعون من المعركة، طلبت منه بني إسرائيل، أن يكون ملكا عليهم، ولكنه رفض. وقد قام جدعون بأعمال انتقده عليها كثير من اليهود أنفسهم، حيث قام بالانتقام من أهالي القرى الذين رفضوا الخروج معه للقتال، وهم قريتي فنوئيل وسكوت.

جدعون رمز ديني يهودي

إذن جدعون، هو رمز ديني يهودي كبير، وتستمد منه الجماعات الدينية، العظات والعبر، وتتخذه قدوة ونموذج في انتصار عدد قليل من المؤمنين على عدد كبير من الأعداء.

ولكن المفارقة أن الحاصل في غزة هو العكس تماما، ففي قصة جدعون، كان جدعون ومن معه، هم الفئة القليلة المظلومة، من المديانيين، تلك الفئة الكبيرة الباغية، التي احتلت أرضهم، وأهلكت ما فيها من الحرث والنسل، بينما في غزة، الإسرائيليون هم الفئة الباغية، كثيرة العدد والعتاد والسلاح، حيث يقاتل جيش كامل قوامه ال450 ألف جندي، يتناوبون القتال في غزة، ضد بضعة آلاف من المقاومة الفلسطينية، الذين لا تتخطى أعدادهم، على أقصى تقدير الأربعون ألف مقاتل، أي أن المقاومة الفلسطينية تقريبا أقل من 10% من جيش الاحتلال الإسرائيلي، وفي نفس الوقت أهل غزة في أرضهم، والإسرائيليون هم الذي اعتدوا عليهم، وأحرقوا أرضهم، وأهلكوا الحرث والنسل، وقتلوا كل شيء ولم يسلم منهم أحد، الإسرائيليون هنا هم الظالمون المعتدون، والفلسطينيون هم المظلومون المعتدى عليهم.

إسرائيل تشن حرب دينية على غزة

الأمر الآخر الذي يمكن الخروج به، من هذه التسمية التي أطلقها جيش الاحتلال على عمليته العسكرية الموسعة في غزة “عربات جدعون” أن الإسرائيليون يشنون حربا دينية، على المسلمين في فلسطين، فهي حرب عقيدة، تستمد من العقيدة اليهودية، ويتضح ذلك في كل شيء من بداية هذا العدوان حتى اللحظة، حيث يسيطر اليمين المتطرف على الحكومة الإسرائيلية، ويطلقون مسميات توراتية، على كثير من مفردات هذه الحرب.

الإسرائيليون يفعلون مثل ما فُعل بهم

في هذه الحرب الظالمة، غير المتكافئة، يفعل الإسرائيليون تماما، ما كان يفعله بهم المديانيين، من قتل وتخريب وسفك للدماء، واستيلاء على الأرض والمقدرات والممتلكات، وإذلال للسكان وتحكم في أقواتهم، وكأن الإسرائيليون يرون أن أهل غزة، هم المديانيين، فهم ينتقمون منهم الآن، ويرغبون في هزيمتهم، كما هزمهم جدعون قبل ذلك، لذلك أطلقوا على عمليتهم العسكرية شبه النهائية اسم “عربات جدعون”

د. أحمد شحاتة

كاتب ومحلل سياسي، وخاصة القضايا العربية والعالمية، دكتوراه في الإدارة التربوية وسياسات التعليم، رئيس مجلس إدارة جريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي