
إسماعيل محمدي يتحدث عن أزمة النشر الورقي في حوار حصرى للعدد الأول
حاوره: مصطفى نصر
• يمر قطاع الطباعة والنشر بأسوأ حالاته هذه الأيام.
• نناشد إدارة معرض الكتاب بمراعاة حالة الناشرين.
• أخشى أن يأتي يوم نقول فيه وداعًا للكتاب الورقي.
الناشرون المصريون يشتكون من زيادة تكلفة الكتاب حيث يرى العديد من الذين التقت بهم “صحيفة العدد الأول” أن الكتاب أصبح سلعة ليس لها رواج، لأن كل مدخلات الطباعة زادت زيادة كبيرة، مما أدى إلى وصول سعر النسخة من الكتاب الذي لا يزيد على مائتي صفحة من القطع المتوسط إلى ما لا يقل عن مائة جنيه، مما أدى لعزوف الناس عن شراء الكتب، لأن شراء الاحتياجات الأساسية للأسرة لن يعد يبقي على مدخرات إضافية للكتب التي أصبحت في قمة الرفاهيات وليس الأساسيات.
في هذا الحوار نلتقي بالأستاذ إسماعيل محمدي صاحب دار الميسون للطباعة والنشر والتوزيع، عضو اتحاد الناشرين المصريين ليحدثنا عن معاناتهم في قطاع الطباعة والنشر.
*المحاور: ماهي الصعوبات التي تواجهونها مع الزيادة التي طرأت على أسعار الورق الأحبار وباقي المدخلات؟
* أ. إسماعيل: في البداية أرحب بالقراء الأعزاء، وأوجه الشكر الجزيل لـ (صحيفة العدد الأول)؛ لاختياري للحديث عن مهنة تعد ذات أهمية واسعة، ومهنة تعد هي الصديقة للمجتمع كله..
بالفعل.. الحديث ذو شجونٍ، ومع الأسى.. يواجه قطاع الطباعة والنشر والتوزيع حاليًا واحدةً من أصعب فتراته؛ حيث الزيادة الكبيرة وغير المبررة، في أسعار الورق والحبر وكل مدخلات الإنتاج، أثرتٍ بشكل مباشر وسلبيٍّ على تكلفة الكتاب، فالورق مثلاً ارتفع سعره أكثر من (300%) خلال العامين الأخيرين (2024م – 2025م)، وكذلك ارتفعت الأحبار ومواد التغليف المستوردة وتعتمد على الدُّولار، فلم نعد نستطيع تثمين الكتاب بشكلٍ يحقق التوازن بين التكلفة وقدرة القارئ على الشراء، إذ كلما ارتفع السعر قلَّ الإقبال، وبالتالي تتراجع حركة البيع والتوزيع، مما يؤدي إلى خسائر إضافية للناشر.
أيضًا هناك مشاكل كبيرة في توافر بعض الخامات، وتأخير في الشحنات، مما يسبب تعطلًا في مواعيد الطباعة والنشر، هذه التحديات مجتمعة جعلت من مهنة النشر مهمة شاقة تحتاج إلى دعم حقيقي سواء من الدولة أو من المؤسسات الثقافية لتستمر صناعة الكتاب المصري التي كانت يومًا منارة للمنطقة كلها.
ومن هنا علينا جميعًا أن نتكاتف لنهضة واستمرار سوق النشر العربي، إذ من مهد الطفولة، ومن مرحلة رياض الأطفال، علينا أن نعطي الكتاب حقه؛ لأنه ومن جيل الشباب الحالي لم يكن الكتاب سوى محطة رفاهية لا توليه الأسرة أي اهتمام يذكر، ولا توليه المدارس ولا حتى الجامعات بالشكل الكافي، ولا توجد احتفاليات حقيقية تشجع على استمرار الكتاب.

* المحاور: يشتكي الناشرون أيضًا من ارتفاع تكلفة المشاركة في معرض الكتاب يناير القادم.
* أ. إسماعيل: صحيح، هذه مشكلةٌ أخرى لا تقل أهميةً تضاعف من أعباء الناشرين، فتكلفة المشاركة -رغم كونه الحدث الأهم لدى الناشرين- في معرض القاهرة الدولي للكتاب القادم في يناير، ارتفعت بشكل ملحوظ مقارنة بالأعوام السابقة، سواء في إيجار الأجنحة أو الخدمات المصاحبة مثل النقل والتخزين والدعاية.
الناشر الآن أمام معادلةٍ صعبةٍ، وأمام مفترق طرقٍ، فإما أن يتحمَّلَ هذه التكاليف العالية أو يمتنع عن المشاركة، وهو ما يعني غيابه عن أهمِّ حدثٍ ثقافيٍّ لا يتكرر إلا مرة واحدة في العام، ما يفقد دار النشر مصداقيَّتها مع الكاتب الذي ما استطاع الناشر الوفاء له بما وعده، وبعض دور النشر الصغيرة والمتوسطة بدأت تُفكِّر جدياً في المشاركة المشتركة لتقليل النفقات، بينما اضطر آخرون إلى تقليص مساحة أجنحتهم أو عدد العناوين المعروضة، وامتنع آخرون من المشاركة من الأساس.
نحن نطالب الجهة المنظمة للمعرض بمراعاة الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها القطاع؛ لأن استمرار هذه الزيادات سيؤدي إلى تراجع عدد المشاركين، وبالتالي إلى تراجع التنوع الثقافي الذي عُرف به المعرض على مدى تاريخه الطويل.
* المحاور: هل هناك زيادة في استخراج أرقام الإيداع للكتب؟
* أ. إسماعيل: بداية يجب العلم أنه يتم استخراج الأرقام من دار الكتب والوثائق القومية، وهو يُعدّ بمثابة إثبات رسمي لملكية الكتاب وتوثيقه في السجل الوطني للمطبوعات، تمامًا مثل رقم الهوية للكتب.
كان استخراج رقم إيداعي للكتاب، أو استخراج رقم دولي معياري للكتاب (ISBN) يتم فورًا، وذلك من خلال قيام دار النشر أو الكاتب، تقديم بعض المستندات الرسمية بغرض الحصول على الرقم الدولي، ثم تطورت الإجراءات حتى وصلت حاليًا الانتظار مدة (48) ساعة حتى الحصول على الرقم، وبالتالي زادت تكلفة التنقلات لاستخراج رقم الإيداع لكل كتاب، فبدلًا من استخراجه فورًا، أصبح الأمر يتطلب مرة لتقديم الطلب، وأخرى لاستلام الرقم.
يأتي بعد ذلك وبعد طباعة الكتاب، تسليم عدد (5) نسخ ورقية من الكتاب الورقي مع (CD) لكل عنوان، وفي حال الكتاب الرقمي يتم تسليم عدد (5 CD) لدار الكتب والوثائق القومية.
ومن أبرز ما يقال في هذا البند: أن رقم الإيداع يدار مباشرة مع الجهة المانحة وهي دار الكتب والوثائق القومية، وهو ما يعني بيروقراطية محضة، وتكلفة عالية، فبعض دول الجوار كالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، تدار العملية هناك إلكترونيًا، لا يداً بيدٍ، وهذا يعني مرونة وسرعة إنجاز، ناهيك عن الناشرين الذين يقطنون محافظات بعيدة عن مقر دار الكتب والذين يتحملون نفقات عالية عن الناشرين الذين يقطنون القاهرة، ويتكبدون حوادث على طرق الأسفار ومشقة مضنية، وبعض هؤلاء الناشرين من النوع المؤنث المجهد.
هذا الأمر أعاق الكثير من الناشرين، وجعلهم في حالة تخبط، بل إن بعضهم انتهى سجله التجاري، وانتهت بطاقته الضريبية، وحتى الآن لم يتم تجديدهما بسبب تزاحم المسؤوليات ووعورة الدرب!

* المحاور: هل يمكن أن يكون النشر الإلكتروني وسيلة بديلة فعالة؟
* أ. إسماعيل: بالفعل بدأ الكتاب الإلكتروني بالانتشار على نطاق ليس بالهين، يمكن للكتاب الإلكتروني أن يكون وسيلة فعّالة جدًا، بل هو اليوم من أقوى وسائل النشر في العالم، وفعاليته تأتي من عدّة جوانب منها:
• سهولة الوصول: القارئ يستطيع تحميل الكتاب فوراً من أي منصةٍ، دون انتظار الشحن أو المرور بمكتبة.
• قلة التكلفة: لا ورق ولا طباعة ولا توزيع، مما يتيح للكاتب أن ينشر بحرية، وللقارئ أن يشتري بثمن أقل.
• الانتشار الواسع: كتاب إلكتروني واحد يمكن أن يقرأه آلاف الأشخاص في قارات مختلفة خلال دقائق.
• المرونة في التحديث: يمكن للكاتب تعديل أو تحسين عمله بسهولة دون إعادة طباعته.
* المحاور: هل نقول وداعًا للكتاب الورقي؟ وماذا نفعل نحن الذين أدمنا رائحة حبر المطابع؟
* أ. إسماعيل: أجيب هنا إجابة قد تبدو في كنهها عجيبة.. قد يتوفى أمامك شخص ويؤكد لك الأطباء أنه بالفعل قد انتقل لدار الحق والحياة البرزخية، ولكنك -بما أحببته- تنكر هذا الأمر..
يشبه الأمر كثيرًا موضوع تحديات دور النشر الحالية وأزماتها، فلا يوجد ناشر ما عشق مهنته، ولا يوجد ناشر ما اهتمَّ بمنظومته، ولا يوجد ناشر ما تمنى النجاح والنهوض، ولكن ومع الأسى.. إن استمرت عملية صناعة النشر بتحدياتها الحالية فإننا حتمًا شئنا أم أبينا سنقولها وبكل حسرة: وداعًا وداعًا للكتاب الورقي!
وإن كان بعض زملائي الناشرين حين سألتهم عن هذا.. ومن باب الموضوعية المطلوبة، كانت إجابة بعضهم: لا أعتقد أننا سنقول وداعًا للكتاب الورقي قريبًا، رغم كل الصعوبات، صحيح أن التحديات كبيرة، لكن الكتاب الورقي يحمل سحرًا خاصًا وعالمًا فريدًا لا يمكن أن يعوضه أي بديل إلكتروني، كما أن هناك علاقة وجدانية بين القارئ والورق، بين أنامله وصفحات الكتاب، بين رائحة الحبر وصوت التقليب، هذه التفاصيل الصغيرة تصنع متعة القراءة الحقيقية.

* المحاور: وماهو الحل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟
إذا أردنا أن نرى كتابًا ورقيًا فلابد من إعفاء مدخلات الطباعة من الجمارك والضرائب، وسن بعض القوانين التي تضمن ولاء الناشرين، ووضع القواعد التي تساعدهم، من ضمن ذلك:
• إعطاء القروض للناشرين الذين يملكون سجلًا تجاريًا وبطاقة ضريبية، وذلك لتأسيس مطابعهم وتبني الأعمال التي تكون جيدة ولا يستطيع الكاتب تحمل نفقات طباعتها.
• كما يجب أن تبني قاعدة لجمع الناشرين وعمل لقاءات دورية، لهم، وإتاحة الفرصة لجميع دور النشر سواء ذات الدخل الكبير أو المتوسط أو الصغير، وإنهاء المحسوبية فورًا، وإنشاء صندوق وطني لدعم الكتاب يكون مخصصًا لتمويل طباعة الكتب الجيدة التي لا يقدر أصحابها على التكلفة، وشراء نسخ من الكتب الجديدة وتوزيعها على المدارس والمكتبات العامة، هذا الدعم لا يذهب للمؤلف فقط، بل ينعش حركة النشر كاملة.
• وأيضًا تطوير منظومة التوزيع العربي بإنشاء منصة عربية موحدة لتوزيع الكتاب إلكترونيًا وورقيًا عبر الحدود، دعم مشاركة دور النشر الصغيرة في معارض الكتب الإقليمية والدولية برسوم رمزية، تحسين نظام المكتبات العامة لتكون منافذ توزيع دائمة، لا مؤقتة، وتحفيز القراءة والتعليم بإدخال حصص “القراءة الحرة” في المدارس وتشجيع الطلاب على اقتناء الكتب، إطلاق جوائز وطنية للقراءة مثل “قارئ العام” لتحفيز الشباب.
• ربط القراءة بالهوية الثقافية والانتماء الوطني، لا باعتبارها واجبًا مدرسيًا فقط، وتشجيع النشر الإلكتروني والرقمي، ودعم إنشاء منصات عربية للكتب الإلكترونية والمسموعة برسوم رمزية، مع حماية حقوق الملكية الفكرية لتشجيع المؤلفين على النشر الرقمي بثقة.
• توفير حوافز ضريبية للناشرين الذين ينتجون نسخًا رقمية من كتبهم، تعزيز مكانة الكاتب والناشر، وسنّ قوانين تضمن عائدًا عادلًا من المبيعات للكاتب.
• إدراج دور النشر ضمن برامج دعم المشروعات الصغيرة، منح جوائز مالية للنشر المتميز تشجّع الجودة والمنافسة الشريفة.

☆ تعريف بالضيف..
• إسماعيل أحمد محمدي إبراهيم.
• مواليد المدينة المنورة 9 رمضان 1406 هجرية، تعود أصوله لمحافظة المنوفية قويسنا قرية أم خنان.
• باحث ماجستير في الأدب العربي الحديث معهد الدراسات الأفروٱسيوية بجامعة قناة السويس بالإسماعيلية.
• مدرب لعدة دورات أدبية.
• ناشر مصري دار الميسون الطباعة والنشر منذ عام 2019.













