تعليممقالات متنوعة
أخر الأخبار

التقييمات المستمرة.. عبء ينهك الطفولة والعقول

التقييمات المستمرة.. عبء ينهك الطفولة والعقول

بقلم: د. عبير عاطف

 

منذ العام الماضي، أدخلت وزارة التربية والتعليم نظام التقييمات المستمرة، بما يشمل اختبارات صغيرة، تقييمات صفية، وأعمال سنة دورية.

هذا التغيير يثير تساؤلات كبيرة.. هل يقيس جودة التعليم بالفعل، أم أنه يضيف عبئًا نفسيًا كبيرًا على الأطفال والمعلمين على حد سواء؟

الأثر النفسي للضغط المستمر على الأطفال

• التقييمات المتكررة تجعل الطفل يشعر أن كل خطوة مراقبة وأن أي خطأ قد يضر بدرجته النهائية.

• القلق المستمر يؤدي إلى تراجع الثقة بالنفس، خوف من الفشل، وتراجع الحافز للتعلم.

• بعض الدراسات تشير إلى أن الضغط المستمر على الطلاب يسبب اضطرابات عاطفية، توتر، وحتى أعراض اكتئابية.

• الأثر لا يقتصر على الأداء الأكاديمي فقط، بل يؤثر على الحب الطبيعي للتعلم، حيث يصبح الهدف الدرجات لا المعرفة.

التقييمات المستمرة

التأثير العلمي على الدماغ ومستوى التحصيل الدراسي

الضغط الناتج عن التقييمات المستمرة يؤثر على الدماغ بشكل ملموس:

ارتفاع هرمون التوتر (الكورتيزول): ارتفاعه المزمن يعوق الوظائف التنفيذية للدماغ مثل التركيز، التخطيط، والانتباه، وهي مهارات أساسية للتحصيل الأكاديمي.

تأثر الذاكرة وبنية الدماغ: التوتر المزمن يؤثر على الحُصين (hippocampus)، المسؤول عن تكوين الذكريات والتعلم، مما يضعف قدرة الطفل على تذكر المعلومات وحل المشكلات.

تأثير على النوم والتنشيط المعرفي: القلق المستمر يضعف النوم، ما ينعكس على الانتباه والإبداع والأداء في الدراسة.

الاستجابة العصبية المزمنة: التعرض المستمر للضغط قد يغير توزيع المادة الرمادية في الدماغ ويؤثر على مهارات معرفية طويلة الأجل.

النتيجة..

الضغط النفسي والتقييمات المستمرة لا يضر فقط نفسية الطفل، بل يؤثر مباشرة على قدرة دماغه على التعلم والتحصيل.

أثر التقييمات على المعلمين

• وقت المعلمين أصبح مقسّمًا بين إعداد الاختبارات، تصحيح الأوراق، ورصد الدرجات، مما يقلل الوقت المخصص للشرح والتفاعل الفعلي مع الطلاب.

• هذا الضغط يحوّل دور المعلم من مرشد وموجّه إلى مراقب للدرجات، مما ينعكس سلبًا على جودة التعليم.

* تجارب الدول الناجحة في التعليم 

دول حول العالم نجحت في تقليل الضغط على الأطفال والمعلمين مع الحفاظ على جودة التعليم..

• فنلندا..

التركيز على اللعب والتعلم التفاعلي، مع تقليل التقييمات الرسمية، يمنح الطفل وقتًا للاكتشاف والمعلم وقتًا للتدريس بفاعلية.

• اليابان وكوريا الجنوبية (في المراحل الابتدائية)..

تقليل الاعتماد على الامتحانات المبكرة، وتشجيع المشاريع الجماعية والتعلم العملي.

• كندا وألمانيا..

استخدام تقييم مستمر قائم على الملاحظة والمشاركة، بدلاً من الاختبارات المكثفة، ما يحافظ على الصحة النفسية للطلاب والمعلمين، ويزيد حب التعلم.

هذه التجارب تؤكد أن جودة التعليم لا تُقاس بعدد الاختبارات أو كثافة التقييمات، بل بقدرة الطلاب على التعلم بشغف، والمعلمين على نقل المعرفة بفاعلية. 

اتركوا وقت للطفل ليعيش طفولته ووقت للمعلم ليؤدى رسالته. الحقيقة 

التقييمات المستمرة منذ العام الماضي أصبحت عبئًا نفسيًا على الطلاب والمعلمين.

التقييمات المستمرة

السؤال الأهم..

هل يقاس نجاح التعليم فقط بهذه الاختبارات؟ أم يجب النظر أيضًا إلى رفاهية الطفل، حبه للتعلم، وفعالية المعلم؟

من المهم إعادة النظر في النظام.. هل الهدف هو تحسين التحصيل العلمي أم مجرد رصد الدرجات؟

يجب أن يتم التوازن بين جودة التعليم وضغط التقييم، وأن يخلق نظامًا يكون فيه التعلم حقًا، وليس عبئًا على دماغ الطفل ونفسه.

* ختامًا:

التقييمات المستمرة لم تعد وسيلة لتقويم التحصيل فقط، بل أصبحت ضغطًا نفسيًا مستمرًا يؤثر على دماغ الأطفال وقدرتهم على التعلم.

الجودة الحقيقية للتعليم لا تُقاس بعدد الاختبارات، بل بقدرة الطلاب على التعلم والاكتشاف، وبقدرة المعلمين على الشرح بعمق.

التجارب الدولية تثبت أن نظام تقييم ذكي ومتوازن يحمي الطفولة ويعزز الإبداع، وهذا يجب أن يكون هدفًا للوزارة وصناع القرار.

 

د. عبير عاطف

دكتوراه في علم النفس التربوي، متخصصة في الإرشاد الأسري، وتتمتع بخبرة واسعة في التدريب الإعلامي والتنمية الذاتية، وتُكرَّم ضمن الشخصيات المؤثرة في الوطن العربي. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي