أخبار مصرأدبي

عائد عبر جسر الحياة

عائد عبر جسر الحياة

بقلم: مصطفى نصر 

يتذكر هذا الطفل جيدًا يوم أتى إلى العالم الأرضي بعد رحلة برزحه في العالم الآخر،

كان في العالم الآخر يعيش حياة مثالية في عالم النور، حيث لا شمس، ولا برد، ولا حرارة، ولا قمر، ولا ضوء،

ولا طاقة إلا من النور المنبعث من وجه ربنا الأعلى صاحب عالم النور ومليكه.

 أخبروه في العالم الآخر بأن موعد أوبته إلى العالم الأرضي قد حان لكي يولد من جديد،

وأعطوه كامل الحرية لأن يطل على العالم الأرضي من عليائه ليختار أمه التي سوف يعبر إليها،

ووضحوا له أن عليه ألا يتعجل في الاختيار، ولا يختار إلا المرأة التي يحبها قلبه،

لأن الحب هو المعيار الوحيد السائد في العالم الآخر، حيث لا كره، ولا حسد، ولا أحقاد.

نظر عبر سديم الضوء إلى العالم الأرضي، رأى نساءً كثيرة، لكن أيًا منهن لم ترق له لتكون أمه التي سيختارها،

أعاد النظر المرة تلو المرة دون أن يرى امرأة يحبها قلبه لتكون أمه، لكن وبعد عشرات المحاولات

وقع نظره على امرأة محددة حرمت من الأبناء رغم زواجها منذ ثلاث سنوات،

كانت في تلك اللحظة ترفع يديها للمولى – عز وجل- تسأله الذرية الصالحة، فتعلق قلبه بها دون آلاف نساء الأرض اللائي رآهن عبر سديم الضوء،

أو لعل الله قد استجاب لدعائها بأن جعله يحبها.

كانت الأم جالسة في حديقة المنزل على ذلك الكرسي المزخرف بأشكال هندسية، والمُطلى بلون أبيض والمزين باللون الذهبي،

وقد أعطى هذا اللون شكلًا فريدًا لحديقة المنزل الصغيرة المكونة من شجرتي نخيل، وشجرة لوز، وشجرة توت، وبعض الورود، بالإضافة إلى العشب.

ذهب الطفل إلى أمه التي سُمح له في العالم الآخر أن يختارها من العالم الأرضي بحرِّية تامة، وضع رأسه ويديه على بطن أمه وأغمض عينيه،

بعد دقائق فتح عينيه ونظر فوجد نفسه داخل رحم هذه المرأة التي اختارها أمًّا.

انزعج الطفل كثيرًا من الظلام الحالك داخل الرحم، فهو قد تعود على العيش في عالم النور في ضوء سرمدي، وتعجب جدًا من أنه بدأ يأكل من حبل مرتبط بها،

فرح جدًّا عندما أحسَّ بالفرح العارم من أمه الأرضية بمقدِمِه، تبعه فرح آخر من أبيه الأرضي زوج هذه المرأة.

شعر بسعادة غامرة من هذه الحفاوة التي وجدها من أبيه وأمه، وابتسم ابتسامة كبيرة وهو يسمعهم يتحدثان عن سعادتهما به،

فمنذ أن اكتشفت الأم بأنها حامل بطفلها الأول ظلت تحدثه كل يوم عن أنها سوف توفر له حياة رائعة،

كان الطفل يحلم داخل رحم أمه بأنه يلعب في حديقة ألعاب حديثة،

كانت الحديقة كبيرة، عند أبوابها يوجد تصاميم لشخصيات كرتونية، وبداخلها بحيرة، يتوسط البحيرة أنواع من البط والأوز،

وعلى طول الحديقة مختلف أنواع الورود والأشجار، بينما تقع منطقة الألعاب في آخر الحديقة، وكان هناك نفق مغطى بالورد يؤدي إلى الألعاب.

دخل الطفل هذا النفق الذي رآه في حلمه قبل سنتين وهو داخل رحم أمه برفقتها،

وقال لأمه لقد ذكرني هذا النفق بجسر الحياة الذي جئت منه إلى هذا العالم،

قالت له الأم: هل أتيت عبر جسر إلى العالم؟ قال الطفل: نعم، ولكن كان هذا الجسر عبارة عن نور وليس ورودًا،

ضحكت الأم ولم تصدق ما قاله طفلها، وذهب الطفل إلى اللعب.

أثناء لعبه في لعبة الحبل والتسلق سقط الطفل وبكى، جاءت أمه إليه مسرعة وحضنته.

قالت الأم للطفل: لا تبكِ، كل شيء بخير.

هدأ الطفل وقال لأمه: أنا أحبكِ يا أمي.

قالت الأم: وأنا أحبك أكثر يا صغيري الجميل.

فقال لها الطفل: لا يا أمي، أنا أحبتتكِ أولاً، أنا اخترتكِ أولاً، قبل أن آتي إلى هنا،

فتجمدت الأم في مكانها من سماعها لهذه الكلمات وعرفت أنها أمام معجزة وليس طفلا صغيرا.

عائد عبر جسر الحياة
عائد عبر جسر الحياة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي