أخبار مصر

“تلك المرآة هي أنا” الحلقة السابعة

“تلك المرآة هي أنا” الحلقة السابعة

بقلم: الكاتب الروائي حسن العربي 

خرجت أتخبط بين أفكاري وأحلامي وأحداث يومي التي بدا لي أنها لن تنتهي، يوم من العمل ومرور على المرضى داخل المستشفى وفي نهاية جولتي قررت أن ألقي نظرة على ليلى وأزورها فى غرفتها كي أطمئن عليها، وأسأل  كمال على البنات، و كيف تسير الأمور.

بدا أن كمال سيطر على الموقف؛ فقد أخبرني إنه أستدعي من يجالس الأطفال لبضعة أيام، وكانت ليلى لا تزال تتأرجح بين النوم واليقظة وخيم على المكان سحابة من الحزن فى انتظار الموعود.

قطعتها قائلة:

أنا قد انتهيت من عملي، ما رأيك فى أن تذهب لتطمئن على البنات وتستريح بعض الشئ، أما أنا فسوف أتولى الاهتمام بليلى حتى تعود. 

نظر إليَّ وقد ظهر عليه الإرهاق الشديد، ثم أومأ بالإيجاب وقال:

لا أدري ماذا أقول لك وكيف أقدم لك شكري، فقد أرهقتك معي اليوم.

لا تشغل بالك على الإطلاق، فقط اذهب للراحة بعض الوقت، وطمئن بناتك واجلس معهن قليلًا، فأنا ليس لديّ أي ارتباط هذه الليلة، اذهب وخذ راحتك ولا تشغل بالك فقد انتهيت من عملي.  

هيا أستاذ كمال هيا.

بين نظرات مجهدة وهمسات ضعيفة، تحامل على نفسه وقام يودع زوجته وهي راقدة مستسلمة لأمر الله راضية، ثم قبلها على وجنتها وانسحب وهو يهمهم بكلمات يكرر بها شكري! 

مرت الساعات القليلة عقب ذهابه حافلة، فقد بدأ يتوافد على الغرفة أقارب وأصدقاء الأسرة غير عابئين بأن هذا يضعف المريض، وأن زيارة المريض يجب أن تكون خفيفة وسريعة وفي أوقات مناسبة ولكننا هكذا ننسى الأصول ونتمسك بالعواطف والعادات التي قد ترهق المريض.

أما ليلى فكانت تشبه سفينة قد أبحرت بلا بوصلة وعلتها الأمواج،أو كالسكير الذي يمشي مترنحًا ويظل على ترنحه هذا حتى تذهب آثار السكر ويفيق وفي فاه مرارة أكثر مما شرب من أجله، كما ظهر عليها الإرهاق كمن لا تدري ماذا تفعل أو إلى أين تسير بها الأقدار أو إلى أين المصير.

كنت أتابع الموقف عن كثب، وبعيدًا عن الدخول فى زمرة الأحداث، وقد بدأ التعب يتسرب إلى جسدي أنا الأخرى، لكنني انتظرت حتى جاء كمال وتركتهم وانسحبت إلى بيتي.

عند باب البيت توقفت قليلًا، أردت أن أطمئن على البنات وأربت عليهن، بل أحسست باحتياجي أنا الأخرى إلى أن أحتضن كل واحدة منهن حضنًا عميقًا، أكان هذا شيئًا غريبًا؟

كنت أتساءل:

من يحتاج إلى جرعة الحنان والحب من؟ أنا أم هُن؟

مشاعري تحدثني بأنني التي أحتاج إلى أحضان الطفولة البريئة التي حرمتني إياها الأيام، لكنني على يقين أنهن أيضًا يحتجن إلى نبع الحب والحنان فى حضن أمهن.

لماذا أعذب نفسي هكذا؟

ما الفارق من يحتاج إلى من؟

يالها من أفكار تتزاحم في عقلي، تعتصر قلبي، تجلد روحي جلدًا!

يبدو أن أحدهم شعر بوجودي خلف الباب ففتح ينظر، فانفرج الباب عن شابة لا أعرفها، فعرفتها بنفسي:

دكتورة آمال أنا جارتهن كنت أريد الاطمئنان عليهن قبل أن أخلد إلى النوم.

تفضلي أنا قريبة كمال جئت خصيصًا من أجل رعايتهن لبعض الوقت حتى تمر الأزمة.

دخلت، لأهنأ بجرعة الدفء وانغمست في بحر براءة الطفولة، وخرجت للحظات من عالمي إلى عالم الحب الصافي، ظهر عليّ الإعياء، وسمعت الصغيرة وهي تقول لي من بعيد:

حضرتك تنامين وأنت واقفة يا أبلة آمال.

قمت مسرعة وودعتها وانطلقت إلى معقلي.

  

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي