أخبار دوليةأخبار عربيةعالميعربي
أخر الأخبار

هندسة التجويع: الآلية الجديدة لإسرائيل في توزيع المساعدات الإنسانية على سكان غزة

اختزال مراكز التوزيع من 60 مركزا تابعا للأونروا إلى 4 مراكز تابعين لمؤسسة أمريكية جديدة

نظرا لما تفرضه دولة الاحتلال الإسرائيلي من حصار خانق على قطاع غزة، وتحكم كامل في كل منافذه على العالم الخارجي، وتضييق شديد على تجارته مع العالم، منذ سنوات طويلة، حتى قبل السابع من أكتوبر، باتت المساعدات الإنسانية هي الشريان الرئيسي للحياة، عند معظم سكان القطاع، الذي يحتاج يوميا حوالي 600 شاحنة محملة بالمساعدات، لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات الحياتية لـ 2.3 مليون نسمة.

آلية توزيع الأونروا للمساعدات

في السابق كانت المساعدات الإنسانية تتجمع في الجانب المصري من معبر رفح الحدودي الفاصل بين مصر وقطاع غزة، ويتم فحص هذه المساعدات والتأكد من سلامتها، بعدها تدخل عبر معبر رفح إلى الجانب الفلسطيني، وهناك تتسلمها، وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، وتقوم بإدخالها إلى منافذ مراكز التوزيع الخاصة بها، والتي يبلغ قوامها حوالي 60 مركز توزيع، في محافظات غزة المختلفة، من شمالها لجنوبها، وتستعين في عمليات التوزيع أيضا بالسلطات المحلية الفلسطينية، وتتعاون معها، مجموعة من المؤسسات الحكومية المحلية، مثل المدارس، والجامعات، والجمعيات الخيرية، ومؤسسات المجتمع المدني العاملة في غزة، وكان العمل يتم بسهولة وسلاسة، وتصل المساعدات إلى الجميع بدون تمييز.

إسرائيل في وحل غزة

بعد اندلاع معركة طوفان الأقصى، في السابع من أكتوبر 2023م، وقيام إسرائيل بالرد على الهجوم الذي قامت به فصائل المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس، على المستوطنات الإسرائيلية المتاخمة للقطاع، حيث شنت إسرائيل حربا مدمرة، لا ردا عسكريا مناسبا، بل تمادت في عدوانها الغاشم، ودمرت أكثر من 80% من القطاع، وقتلت حتى اللحظة أكثر من 60 ألف شهيد فلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ والعجائز، ورغم هذه الإبادة الجماعية التي تقترفها دولة الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني في غزة، إلا أنها لم تلحق الهزيمة العسكرية حتى اللحظة بالمقاومة الفلسطينية، بل إن جيش الاحتلال الإسرائيلي يتعرض للهزيمة من المقاومة بالمقاييس العسكرية، لا بمقاييس قصف المدنيين العزل بالطائرات المقاتلة والمسيرات والصواريخ المحملة بأطنان المتفجرات.

انتهاج إسرائيل لسياسة التجويع

في محاولة من إسرائيل لإلحاق الهزيمة بالمقاومة الفلسطينية، قرر جيش الاحتلال الإسرائيلي، انتهاج سياسة التجويع، واستخدامها كأداة في الحرب، ومنع دخول المساعدات الإنسانية من بداية مارس الماضي 2025 إلى الآن، وبذلك الحرم الفلسطينيين من 51,000 شاحنة مساعدات، كان يفترض أن تدخل إلى القطاع خلال تلك الفترة وقدرها 85 يوما، بمعدل 600 شاحنة يوميا، محملة بالمساعدات الغذائية والطبية والإيوائية، هذه السياسة، أدت إلى حدوث مجاعة حقيقية بين سكان القطاع، وقد ارتقى منهم شهداء كثر، بسبب الجوع، وخاصة الأطفال، وظهرت على شاشات الإعلام في كل بقاع العالم، صور المجاعة القاسية التي يتعرض لها السكان في غزة، وصور أجساد الأطفال، التي تحولت إلى هياكل عظيمة، قبل أن يفارق كثير منهم الحياة جوعا، في وسط عالم منافق، يكيل بمكيالين، يرى القتلى في أوكرانيا، ولا يراهم في غزة، يرى روسيا مجرمة حرب، ويرى إسرائيل مؤيدة من الله.

صور المجاعة القاسية، حركت كثير من الشعوب، وخاصة في العواصم الأوروبية، ما أدى إلى تحرك برلمانات هذه الدول، كالبرلمان الإيطالي والأسباني والبريطاني، وطالب الكثير من النواب، باتخاذ إجراءات ضد إسرائيل لإرغامها على وقف هذه المجاعة، منها سحب السفراء، وفرض العقوبات، ووقف التبادلات والشراكات التجارية مع إسرائيل، أدت هذه الضغوط، إضافة لإعطاء الولايات المتحدة الضوء الأخضر، للدول الأوروبية بالضغط على إسرائيل، بعد عودة ترامب من جولته الخليجية في منتصف مارس، أدت جميعها إلى إرغام إسرائيل على إدخال بعض المساعدات، وقدرها 100 شاحنة فقط، من أصل 51 ألف شاحنة متأخرة، وعقب ذلك أعلنت إسرائيل، عن قرارها بالسيطرة على المساعدات الإنسانية، وتوزيعها بمعرفتها، عن طريق مؤسسة إنسانية أمريكية خاصة، غير تابعة للأمم المتحدة، مع إخراج “الأونروا” والمنظمات الأممية الأخرى، من عمليات التوزيع المباشر للمساعدات، بل إن إسرائيل قد طلبت من الأمم المتحدة، أن تساعدها فقط في عمليات التوزيع، غير أن الأمم المتحدة على لسانها أمينها العام، أنطونيو جوتيرش، رفضت مساعدة إسرائيل في السيطرة على المساعدات، وقالت إنها تتنافى مع المبادئ الإنسانية، كالحياد والنزاهة والشفافية.

العسكرة الإسرائيلية للمساعدات

الطريقة التي تريد بها إسرائيل السيطرة على المساعدات، وتوزيعها بمعرفتها، هي طريقة تتنافى مع كافة المعايير والمبادئ الإنسانية، كما صرح الأمين العام للأمم المتحدة، وذلك لأن إسرائيل تريد استغلال هذه المساعدات في السيطرة على شعب غزة، وتجويع من تشاء، وإشباع من تشاء، وإعطاء القليل في الوقت الذي تريده، وإعطاء الكثير في الوقت الذي ترغبه، وزيادة المساعدات لمحافظات ومناطق معينة، ومنعها أو تقليلها لمحافظات أخرى، وهو ما أطلق عليه بعض المحللين اسم “هندسة التجويع”.

خطة إسرايل في توزيع المساعدات تقوم على أساس، أن تستلم إسرائيل المساعدات، وتدخل إلى غزة من معبر كرم أبو سالم فقط، مع إلغاء معبر رفح نهائيا، وأن تسلم هذه المساعدات إلى شركة أمريكية خاصة، تسمى “مؤسسة غزة الإنسانية، تم إنشاءها حديثا في فبراير 2025م، ومؤسسها هو قناص سابق في مشاة البحرية الأمريكية “المارينز” يدعى “جاك وود”، وأن تقوم هذه المؤسسة بنقل المساعدات إلى 4 مراكز توزيع تابعين لها، 3 مراكز منها في رفح، والمركز الرابع جنوب محور نتساريم، وبذلك تتقلص مراكز التوزيع من 60 مركزا تابعا للأونروا، إلى 4 مراكز فقط تابعة لمؤسسة غزة الإنسانية المستحدثة، وهذه المراكز الأربعة موجودة في النصف الجنوبي من قطاع غزة، وبذلك يحرم سكان النصف الشمالي من سكان القطاع من المساعدات نهائيا، أو عليهم أن يتوجهو إلى الجنوب، ويقيموا فيه، قريبا من تلك المراكز، وهو ما تريده إسرائيل، تهجير الفلسطينين، تهجيرا داخليا، من شمال القطاع إلى جنوبه، تمهيدا لتهجيرهم نهائيا خارج القطاع لاحقا.

الآلية الجديدة لتوزيع المساعدات التي قررت إسرائيل تطبيقها، هي كالآتي:

  • استلام إسرائيل للمساعدات.
  • إدخالها للمساعدات عن طريق معبر كرم أبو سالم فقط.
  • تسليمها للمساعدات “لمؤسسة غزة الإنسانية” الأمريكية الخاصة المستحدثة.
  • توزيع “مؤسسة غزة الإنسانية” للمساعدات من خلال 4 مراكز فقط في النصف الجنوبي من غزة.
  • حراسة مراكز التوزيع الأربعة، بشركات أمنية خاصة، إضافة لمراقبة إسرائيل ووجود قواتها بالقرب من هذه المراكز على بعد 300 متر منها.
  • التوزيع على مبدأ وجبة أسبوعية لكل أسرة، يستلمها عائل الأسرة بنفسه، من هذه المراكز، ويخضع لإجراءات فحص مشددة، ويتم إعطاء معلوماته الشخصية بالكامل، قبل استلامه للوجبة الإسبوعية، التي لا تزيد عن 20 كيلوجراما من المواد الغذائية، لأسرته بالكامل.

نوايا إسرائيل الخبيثة من وراء سيطرتها على المساعدات، وآلية توزيعها، تكمن في الآتي:

  1. تهجير الفلسطينين جزئيا، تهجيرا داخليا، تمهيدا لتهجيرهم كليا، تهجيرا خارجيا.
  2. مراقبة الفلسطينين، وجمع معلومات بيومترية، تشمل بصمة الأصابع، بصمة الوجه، بصمة الصوت، بصمة العين والشبكية، إضافة لشكل الكف، وصورة الشخص في النهاية.
  3. التحكم في الفلسطينيين وإذلالهم بمنع ومنح الطعام، كما تشاء، وفي الوقت الذي تريد.
  4. استمرار عمليتها العسكرية الموسعة في قطاع غزة، التي أطلقت عليها “عربات جدعون” دون أن تواجه انتقادات أمريكية وأوروبية، بسبب صور التجويع، التي تنتشر على وسائل الإعلام.
  5. التمهيد لاحتلال إسرائيلي شامل للقطاع، من خلال السيطرة على كل شيء فيه، بما فيها مقومات الحياة الأساسية.

على جانب ردود الأفعال العالمية، رفضت الأمم المتحدة المشاركة في الآلية الإسرائيلية لتوزيع المساعدات، وقدم رئيس مؤسسة غزة الإنسانية، استقالته أول أمس 25 مايو، بسبب مخالفة آلية التوزيع الجديدة للمبادئ الإنسانية كالحياد والنزاهة والعدالة، كما وضح ذلك في سبب استقالته. كما أعلن الفلسطينيون أنفسهم رفضهم لاستلام المساعدات بالآلية الجديدة، وقالوا إن إسرائيل لا تريد إطعامهم، بل تريد إذلالهم، وهم يرفضون هذا الإذلال، وفي نفس السياق، أعلنت حركة حماس رفضها لتلك الآلية، وقالت إن الهدف منها هي إذلال وإخضاع سكان القطاع، وتهجيرهم عن أراضيهم.

في النهاية تواجه إسرائيل تحديات كبيرة، في تنفيذ مخططها الجديد للسيطرة على المساعدات الإنسانية، حيث يتطلب منها ذلك الأمر ما يقارب المليار جنيه شهريا، كتكلفة مساعدات لمتوسط 600 شاحنة يومية، هذا إن لم تجد دول تساعدها وتتبرع بتمويل لمؤسسة غزة الإنسانية الأمريكية التي تراعها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، كما أن أمامها تحديات لوجستية، في عمليات التوزيع، إضافة لامتناع الجهات الأممية والدولية في التعاون معها، والمعارضات الدولية لهذه الآلية التي تستخدم التجويع سلاح في الحرب، بالمخالفة لكافة الأعراف والمواثيق الدولية الإنسانية.

د. أحمد شحاتة

كاتب ومحلل سياسي، وخاصة القضايا العربية والعالمية، دكتوراه في الإدارة التربوية وسياسات التعليم، رئيس مجلس إدارة جريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي