أدبيثقافةشعرعالميمقالات متنوعة

قراءة في ترجمة الدكتور طارق النعمان لقصيدة إميلي ديكنسون

الحُوذِي .. إميلي ديكنسون

قراءة في ترجمة الدكتور طارق النعمان لقصيدة إميلي ديكنسون

Because I could not stop for death

الحُوذِي

إميلي ديكنسون

ترجمة: طارق النعمان

بقلم: أ. د. مصطفى رياض

 

لأنَّنِي لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَتَوَقَّفَ لِلْمَوْتِ ـــ
فَقَدْ تَوَقَّفَ بِكَرَمٍ لِي ــــ
وَلَمْ تُقِلْ الْعَرَبَةُ أَحَدًا سِوَانَا ـــ
وَالْخُلُود.
لَقد قُدْنَا بِبُطءٍ ـــ إِذْ عَرَفَ أَنَّهُ مَا مِنْ عَجَلَة
وَأَنَّنِي تَوَارَيْتُ
كَمَا تَوَارَى أَيْضًا شُغْلِي وَفَرَاغِي،
ومِنْ تَمَدُنِهِ ـــ
مَرَرْنَا بِاْلمَدْرَسَةِ، حَيْثُ يُصَارِعُ الْأَطْفَالُ
فِي الْفُسْحَةِ ـــ فِي الْحَلْقَةِ ـــ
مَرَرْنَا بِحِقُولِ الْحِنْطَةِ الْيَانِعَة ـــ
وَتَخَطَّيْنَا مَغِيبَ الشَّمْسِ ـــ
أَوْ بِالْأَحْرَى ـــ تَخَطَّانَا المَغِيْبُ ـــ
وَاسْتَحْضَرَتْ حَبَّاتُ النَّدَى الرَّعْشَةَ وَالْقَشْعَرِيرَة ـــ
لِأَنَّ ثَوْبِي لَمْ يَكُنْ سِوَى غُلَالَةٍ رَقِيقَة ــــ
وَشَالِي رَقِيقٌ جِدًا ـــ شالي مُجَرَّدُ شَالٍ مُخَرَّم ـــ
وعِنْدَ الْبَيْتِ الَّذِي بَدَا
بَثْرَةً عَلَى الْأَرْضِ ـــ
تَوَقَّفْنَا
كَانَ السَّطْحُ بِالْكَادِ يُرَى
وَحَافَّةُ السَّطْحِ ـــ فِي الْأَرْضِ ـــ
وَمُنْذُ هَذَا الزَّمَن ـــ مُنْذُ قُرُون ـــ وَحَتَّى الْآَن
تَحسُّه أَقْصَرَ مِنْ نَهَار
وبِدَايَةً هَجَسَ لِي أنَّ رُؤوسَ الْخَيْلِ
تَنْحُو صَوْبَ الْأَبَدِيَّة.

***

تُظهر ترجمة الدكتور طارق النعمان براعة فائقة في نقل روح النص الأصلي وجمالياته إلى اللغة العربية، متجاوزًا الترجمة الحرفية ليقدم عملًا فنيًا يعكس حساسية عالية تجاه اللغة ودلالاتها. يمكن ملاحظة هذه البراعة من خلال تحليل بعض الاختيارات اللغوية الدقيقة التي قام بها:

* “تَوَارَيْتُ”: في ترجمته لعبارة “I had put away”، اختار الدكتور النعمان كلمة “تَوَارَيْتُ” التي تتسم بدقة بالغة. فبينما تعني الكلمة ببساطة “اختفيتُ أو ابتعدتُ”، فإنها تحمل في طياتها إيحاءً بالتحرر من مشاغل الحياة، وهو ما يعكس تمامًا الحالة الذهنية للراوية التي تخلت عن “labor and leisure” بكل هدوء واستسلام.

* “حِقُولِ الْحِنْطَةِ الْيَانِعَة”: ترجمة “Fields of Gazing Grain” إلى “حِقُولِ الْحِنْطَةِ الْيَانِعَة” تظهر حسًا فنيًا رفيعًا. على الرغم من صعوبة ترجمة كلمة “Gazing” حرفيًا في هذا السياق، إلا أن المترجم اختار كلمة “يانعة” التي تحمل دلالة على النضج والاكتمال، مما يخلق صورة بصرية وشعرية موازية ومناسبة للأصل.

* “بَثْرَةً عَلَى الْأَرْضِ”: اختار النعمان ترجمة “a House that seemed A Swelling of the Ground” بـ “بَثْرَةً عَلَى الْأَرْضِ”، وهي ترجمة جريئة ومبتكرة. فكلمة “swelling” تشير إلى انتفاخ أو تورم، لكن استخدام “بثرة” يضفي دلالة سلبية وقوية، وكأن القبر ليس سوى ورم قبيح على سطح الأرض. هذه الصورة الشعرية القوية تعمق المعنى الأصلي وتخدمه بأسلوب عربي أصيل.

* “وَاسْتَحْضَرَتْ حَبَّاتُ النَّدَى الرَّعْشَةَ وَالْقَشْعَرِيرَة”: في ترجمة “The Dews drew quivering and Chill”، لم يكتفِ المترجم بذكر “الندى البارد”، بل استخدم فعل “استحضرت” ليمنح الندى إرادةً وفاعلية، وكأنه هو من يُحضر الرعشة والقشعريرة. هذا الأسلوب يجعل الصورة أكثر حيوية وتأثيرًا، كما أن إضافة كلمة “القشعريرة” بجانب “الرعشة” يزيد من قوة الصورة الحسية للمشهد.

* “رُؤوسَ الْخَيْلِ تَنْحُو صَوْبَ الْأَبَدِيَّة”: ترجمة “the Horses’ Heads Were toward Eternity” بهذه العبارة هي صياغة شعرية بليغة. استخدام “تنحو صوب” يدل على اتجاه وثبات، مما يعطي إحساسًا بالحركة التي لا نهاية لها، ويجسد فكرة الخلود بأسلوب أكثر رصانة وجمالًا من مجرد القول “رؤوس الخيل تتجه نحو الأبدية”.

باختصار، يمكن القول إن الدكتور طارق النعمان نجح في ترجمة القصيدة عبر نقل المشاعر والصور والدلالات، مستعينًا بالبلاغة العربية وبمعجم شعري غني يخدم روح النص الأصلي ويمنحه جمالًا جديدًا في لغته الجديدة.

مروة تليمة

رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي