مقالات متنوعة
أخر الأخبار

حين تتكلم المواقف وتصمت الكلمات

حين تتكلم المواقف وتصمت الكلمات

بقلم: د. نهال عزمي

 

ليس كل ما يلمع ذهبًا، ولا كل وعدٍ جميل دليلًا على حقيقة صاحبه. ففي رحلة اختيار شريك الحياة قد تبهرنا الكلمات، وتخطفنا المظاهر، لكن الحياة لا تُبنى على الانطباعات الأولى بقدر ما تُبنى على ما تكشفه المواقف.

 

فالكلمات تستطيع أن ترسم صورة مثالية، أما المواقف فهي التي ترسم الحقيقة. عند أول خلاف، وأول مسؤولية، وأول عقبة، تتجلى معادن الناس وتظهر قدرتهم على الصبر والالتزام وتحمل الأعباء. لذلك لا يكفي أن نسأل ماذا يقول الإنسان عن نفسه، بل كيف يتصرف حين تضيق الخيارات وتتغير الظروف.

 

ولهذا يحرص الآباء والأمهات عند اختيار شريك حياة ابنتهم على النظر إلى ما هو أبعد من يوم الزفاف. فهم يدركون أن المطبات الصغيرة تكشف ملامح الشخصية الحقيقية، وأن طريقة الإنسان في مواجهة التحديات مؤشر لما سيكون عليه عندما تتعاظم المسؤوليات وتتسع متطلبات الحياة.

حين تتكلم المواقف وتصمت الكلمات

وقد أسهمت النظرة السطحية إلى الزواج في كثير من حالات الفشل الأسري؛ حين يُنظر إليه بوصفه قصة عاطفية أو مناسبة اجتماعية فحسب، بينما هو في حقيقته مشروع حياة يقوم على المسؤولية والالتزام والتضحية. وعندما يصطدم الخيال بالواقع، وتظهر الأعباء اليومية، تتكشف الفجوة بين الصورة المثالية والحقيقة.

 

وفي التصور الإسلامي، لم يكن الزواج مجرد ارتباط عاطفي، بل عقد مسؤولية متبادلة يحفظ الحقوق ويصون الكرامة. فالمرأة مكرّمة مصونة، والرجل مطالب بالقدرة على الرعاية وتحمل الالتزامات، بما يؤكد أن الاستعداد للزواج يُقاس بالفعل والمسؤولية أكثر مما يُقاس بالمشاعر وحدها.

 

إن البدايات كثيرًا ما تحمل ملامح النهايات؛ فالشخص الذي يواجه العقبات بثبات، ويتحمل مسؤولياته بوعي، ويبحث عن الحلول بدل الأعذار، هو الأقدر على بناء أسرة مستقرة. أما الكلمات الجميلة، مهما بلغت روعتها، فتبقى ناقصة ما لم تؤيدها الأفعال.

 

في النهاية، قد تخدعنا الوعود وتبهرنا المظاهر، لكن المواقف وحدها تملك القدرة على كشف الحقيقة. وعندما تصمت الكلمات، تبدأ الأفعال في الحديث، وعندها فقط نعرف من يستحق أن يكون شريكًا في رحلة العمر، لأن ما تبنيه الكلمات قد تهدمه الأيام، أما ما تبنيه المواقف الصادقة فيبقى ثابتًا مهما تغيرت الظروف وتعاقبت السنين.

د. نهال عزمي

نهال عزمي كاتبة صحفية بجريدة العدد الأول، تجمع بين الخبرة التربوية العميقة والقدرة البحثية المتقدمة، تحمل درجة الماجستير، وتعد حالياً أطروحة الدكتوراه، في مناهج وطرق التدريس قسم اللغة العربية، تمتلك خبرة تفوق 20 عامًا، في التعليم والتطوير المهني، لها مشاركات بحثية في الذكاء الاصطناعي والتعددية الثقافية، تسهم بخطاب صحفي متخصص، يعزز قضايا اللغة والتعليم في البيئات متعددة اللغات.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي