
كتبت: د. عبير عاطف
“القيم المستعارة “كيف تعيد بعض الألعاب الإلكترونية تشكيل أخلاق الأطفال؟
الألعاب الإلكترونية لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت بيئة يتعلم فيها الطفل بشكل غير مباشر أنماطًا من السلوك والقيم.
فإذا كانت المدرسة والأسرة هما المصدران الأساسيان للتربية، فإن الألعاب الرقمية أصبحت تشاركهما هذا الدور، بشكل قد يكون إيجابيًا أو سلبيًا.
والسؤال هنا: هل تعمل هذه الألعاب على بناء شخصية سوية، أم تُعيد تشكيل أخلاق الطفل بطريقة قد تكون خطيرة؟
كيف تغرس الألعاب القيم في الأطفال؟
يتعلم الأطفال من خلال التجربة والتكرار. فعندما يقضي الطفل وقتًا طويلاً في لعبة تعتمد على الغش أو العنف كوسيلة للفوز، يبدأ في رؤية هذه السلوكيات كخيارات طبيعية. بالمقابل، الألعاب التي تحفّز التفكير والعمل الجماعي تغرس قيمًا إيجابية مثل التعاون والمثابرة.

القيم السلبية المستعارة من بعض الألعاب
1. العنف كوسيلة للحل: حيث يُكافأ اللاعب على استخدام القوة.
2. الغش والخداع: هناك بعض الألعاب التي تعتمد على الكذب للإيقاع بالآخرين.
3. تقليل قيمة الحياة الإنسانية: في ألعاب القتال حيث يُعاد إحياء اللاعب بعد موته وكأنها مسألة بسيطة.
4. الفردية المفرطة: حيث تركز كثير من الألعاب على الفوز الفردي ولو على حساب الفريق.
القيم الإيجابية الممكن تعزيزها
تعزيز الإبداع والعمل الجماعي.
علاقات اجتماعية إيجابية وتعاون
تنمية التفكير الناقد وحل المشكلات.
الجانب النفسي والاجتماعي
نفسيًا: الطفل قد يجد لذة في الكذب أو العنف داخل اللعبة، ومع التكرار تتحول هذه اللذة إلى تطبيع نفسي لسلوكيات مرفوضة اجتماعيًا.
اجتماعيًا: قد يتأثر سلوك الطفل في علاقاته مع أقرانه، فيلجأ إلى الغش في المدرسة أو إلى العدوانية مع أصدقائه، معتبرًا أن هذه السلوكيات “عادية” لأنها مرتبطة بالمرح والانتصار.
التأثير على التحصيل الدراسي
بعض الأطفال ينقلون قيمة “الغش للفوز” إلى حياتهم الدراسية، فيلجؤون إلى طرق غير سليمة للنجاح.
التعلق بالقيم السلبية داخل الألعاب قد يضعف الالتزام بالواجبات الدراسية ويجعل الطفل أقل تقديرًا لقيمة الجهد والمثابرة.
في المقابل، الألعاب التعليمية التي تركز على الإبداع قد تحسن الأداء الأكاديمي وتزيد من دافعية التعلم.

الفترة الذهبية لتشكيل القيم والسلوكيات
تشير الدراسات النفسية في مجال النمو، مثل أبحاث جان بياجيه وإريك إريكسون، إلى أن الطفولة المبكرة (من 3 إلى 12 سنة) تُعد فترة ذهبية في تشكيل القيم والسلوكيات الأساسية. ففي هذه المرحلة يبدأ الطفل في بناء منظومته الأخلاقية والاجتماعية، ويتعلم مفاهيم الصدق، التعاون، العدل، واحترام القواعد.
ويؤكد علماء النفس التربوي أن ما يكتسبه الطفل في هذه الفترة من قيم ومبادئ يظل راسخًا ويؤثر على سلوكه في المراحل اللاحقة من حياته.
عندما يقضي الطفل وقتًا طويلاً في بيئة افتراضية كالألعاب الإلكترونية، فإن هذه البيئة تصبح “مدرسة غير رسمية” للقيم، سواء كانت إيجابية أو سلبية.
فإذا تعرض باستمرار لألعاب تروّج للعنف أو الغش أو الفردية، فإن هذه السلوكيات تُخزَّن في ذاكرته القيمية، وتصبح جزءًا من شخصيته المستقبلية. على العكس، إذا وُجِّه نحو ألعاب تعزز التعاون والإبداع، فإنها تدعم بناء قيم إيجابية راسخة في وجدانه.
دور الأهل في توجيه القيم عبر الألعاب الإلكترونية
يلعب الأهل دورًا محوريًا في ضبط تأثير الألعاب الإلكترونية على قيم الأطفال وسلوكياتهم. فالمتابعة المستمرة لاختيار الألعاب المناسبة لأعمارهم، ووضع حدود زمنية لاستخدام الأجهزة، يساعد على تقليل التعرض للمضامين السلبية.
كما أن مشاركة الأهل للطفل في اللعب وفتح حوار حول أحداث اللعبة وقيمها يعزز من وعيه النقدي، فيستطيع التمييز بين الخيال والواقع، وبين السلوكيات المقبولة والمرفوضة.
بالإضافة إلى ذلك، يساهم الأهل في تقديم بدائل تعليمية وترفيهية حقيقية، مثل الأنشطة الرياضية والفنية، مما يحقق توازنًا صحّيًا يحمي الطفل من هيمنة القيم السلبية المستعارة من بعض الألعاب.
ختامًا..
الألعاب الإلكترونية ليست مجرد تسلية؛ إنها وسيلة قوية تنتقل من خلالها قيم وسلوكيات دون أن يشعر الطفل بذلك. ومن هنا تنبع مسؤوليتنا كآباء ومربين في اختيار ألعاب تبني شخصية الطفل وتعزز القيم الإيجابية، وكذلك المشاركة معه في وقت اللعب والنقاش. وبهذا لا يتحول اللعب إلى تهديد أخلاقي، بل يصبح فرصة لبناء مستقبل أفضل.













