أخبار مصر
أخر الأخبار

الأب الأناني.. حين يغيب الحضور رغم وجود الجسد

 الأب الأناني.. حين يغيب الحضور رغم وجود الجسد

 

بقلم / رشا علواني 

 

في كل بيت قد يبدو كاملًا من الخارج، هناك تفاصيل صغيرة تصرخ في الداخل. من بينها أب موجود دائمًا، لكنه في الحقيقة.. غائب.

غائب عن المشاركة، عن الحضور، عن الدفء.

أب يرى أبناءه لا كأرواح تحتاج الحب، بل كمسؤولية مرهقة أو مصدر فخر اجتماعي، هذه هي مأساة “الأنانية الأبوية” التي تخلق جيلًا يحمل جروحًا لا تُرى.

 

أولًا.. المشكلة:

الأب الأناني هو الذي يجعل نفسه مركز الكون داخل الأسرة.

يُطالب بالاهتمام والتقدير الدائم، لكنه لا يمنح المقابل.

يُريد أن يُسمع صوته فقط، بينما يُغلق أذنيه عن أصوات الآخرين.

يعيش لنفسه، لا لعائلته، ويتعامل مع الأبوة كعبء لا كرسالة.

تبدأ المشكلة عندما يشعر الأبناء أن وجود أبيهم لا يضيف شيئًا لحياتهم،

بل أحيانًا يصبح وجوده مصدر توتر وخوف أو جفاء.

وهنا، تتكوّن الفجوة التي تبتلع العلاقات داخل البيت ببطء وصمت.

 ثانيًا.. الأسباب:

– الخلفية التربوية:

كثير من الآباء الأنانيين تربّوا في بيئات قاسية لم يعرفوا فيها العطاء، فحملوا القسوة كدفاعٍ عن الذات.

 – الضغوط النفسية والمادية:

حين ينهك الرجل في صراعات الحياة دون وعي ذاتي أو دعم عاطفي، يتحوّل إلى شخص ينجو بأنانيته.

– ضعف الوعي العاطفي:

بعض الآباء لا يُدركون أن الحب مسؤولية، وأن الأبوة ليست سلطة بل احتواء.

– الخوف من فقدان السيطرة:

الأنانية هنا تُصبح وسيلة للحفاظ على “الهيبة”، فيرفض الأب المشاركة أو الحوار حتى لا يشعر بالضعف.

– النمط الثقافي الذكوري:

الذي يُحمّل الرجل دور القائد دون تدريبٍ على الإصغاء أو المشاركة، فيتحول تدريجيًا إلى متسلّط أو لا مبالٍ.

 ثالثًا..الأعراض والعلامات:

يمكن ملاحظة الأب الأناني من خلال سلوكياته اليومية:

– يتحدث كثيرًا عن إنجازاته ونادرًا عن مشاعر أبنائه.

– يطلب التقدير المستمر، ويغضب إن لم يُشكر على أبسط الأمور.

– لا يشارك في تفاصيل الحياة اليومية أو مشكلات الأبناء.

– يرى أبناءه امتدادًا لصورته، لا ذواتٍ مستقلة.

– يحمّل الأم دائمًا مسؤولية “الدفء العاطفي” وكأن دوره مادي فقط.

– يبرّر غيابه بانشغاله الدائم، رغم أن الوقت يمكن إيجاده حين توجد الرغبة.

أما الأبناء، فتظهر عليهم آثار واضحة:

– نعدام الثقة بالنفس أو المبالغة في محاولة إثبات الذات.

– بحث دائم عن بديل عاطفي: صديق، معلم، أو حتى علاقة مؤذية.

– إحساس داخلي بعدم الكفاية، وأن الحب يجب أن يُنتزع لا يُمنح.

– أحيانًا يتحوّلون لنسخٍ من والدهم في المستقبل… أو نقيضٍ تام له.

 رابعًا.. العلاج والتعامل:

العلاج يبدأ من الوعي، لأن الأنانية ليست سلوكًا ثابتًا، بل استجابة دفاعية متعلّمة يمكن تغييرها.

1. التوعية النفسية: على الأب أن يواجه ذاته بصدق، وأن يُدرك أن الأبوة مسؤولية وجدانية لا تقل عن المادية.

2. العلاج الأسري: جلسات الإرشاد الأسري تساعد على إعادة التوازن في العلاقات داخل البيت.

3. العمل على الذات: بتعلم مهارات الإصغاء، والتعاطف، وضبط الغضب.

4. بناء الروابط الصغيرة: حتى لحظة حوار قصيرة مع الابن أو مشاركة وجبة يمكن أن تُعيد جسور المودة.

5. العلاج الفردي: في حال كانت الأنانية متجذّرة بسبب صدمات أو اضطرابات شخصية، يحتاج الأب لعلاج نفسي متخصص.

خامسًا.. التوصيات:

للأب: تذكّر أن أبناءك لا يحتاجونك كاملًا، بل حاضرًا.

للأم.. لا تُغذّي أنانية الشريك بالصمت، عبّري واطلبي الشراكة.

للأبناء.. افهموا أن غياب الحب لا يعني أنكم لا تستحقونه، بل أن الطرف الآخر عاجز عن منحه.

للمجتمع.. علّموا الأبناء منذ الصغر أن الرجولة ليست سيطرة، بل مسؤولية واحتواء.

خاتمًا:

الأنانية الأبوية ليست قدَرًا، لكنها مرض يمكن شفاءه بالوعي.

أن تكون أبًا لا يعني أن تُنجب فقط، بل أن تختار أن تُحب وتكون حاضرًا،

أن ترى أبناءك لا كمرآةٍ لك، بل كقلوبٍ تستحق أن تُروى بالعطف والاهتمام.

فكل أبٍ أناني يترك وراءه قلبًا جافًا يبحث عن قطرة حب،

وكل لحظة حضورٍ صادق… قادرة أن تُنبت جيلًا سليمًا من الداخل قبل الخارج.

رشا علواني

أخصائي نفسي ومدرب معتمد من عدة جهات دولية، حاصلة على ماجستير في الاضطرابات الجنسية للأطفال والمراهقين، مرشد أسري وزواجي، تهتم بالدعم النفسي والمجتمعي، وتسهم في التوعية الأسرية بمحتوى إنساني وتوجيهي عبر الإعلام، صحفية بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي