أدبي

رسالة القدر

وقت النشر : 2021/12/06 02:40:02 AM
رسالة القدر
بقلم: الزهراء محمد سعيد
تساءلت كثيرا؛ هل حقا يرتبط المنح بالمعاناة؟ هل كلما ضاقت بك الحياة حتى ظننت أنك تختنق ولا تجد سبيلا للنجاة، تكون بداية الفرج؟ تكون نهاية الألم؟
مر قطار العمر بحلوه و مره، تعايشنا وتناسينا لكننا لم ننس، فلكل منا محطاته التي لا يمكن نسيانها، تركت آثارها كندبات في القلب والروح، فأنا على الرغم من مرور السنين أتذكر جيدا ألمي، ألما يطالبك الجميع بنسيانه، في مثل هذا اليوم، تجمع الجميع بمنزل أبي، وزوجي بل حبيب الطفولة ورفيق الصبا والشباب، وأسرته وأخي وأمي والمأذون.
لا، ليس لزواجي، بل لطلاقي، نعم، تخلى عني زوجي، تزوجته بعد حب كبير نما تحت أعين أسرتينا، ونلنا مباركة الجميع. أنهينا دراستنا بتفوق و تزوجنا، مرت أيامنا حلوة كمذاق غزل البنات عندما يذوب في الفم، لكن حلاوتها اختفت بسرعة، كسرعته في الذوبان.
فبعد مرور عام من زواجنا دون حمل قررنا التوجه للطبيب، وبعد فحوصات وتحاليل أخبرنا الطبيب – وكان صديقا لزوجي- بأن فرصتي في الحمل معدومة بمعنى أصح عقيم، شعرت بدوار وانهار الكون من حولي، وزوجي يقف صامتا وقد امتقع وجهه، وتعرق جبينه.
أسندت رأسي على كتفه وهو صامت دون أي رد فعل، عدنا لمنزلنا، لم يتحدث معي أو يواسيني، بل احتجب بغرفته وتركني باكية، لا أعلم هل أبكي عقمي؟ أم أبكي صمته القاسي؟
كم تمنيت أن يحتضنني ويخفف ألمي، لكنه بصمته أشعرني بالعجز، لكن ما خطيئتي؛ إنها إرادة الله!
مرت الأيام وهو صامت، دائم الانشغال بعمله رافضا أي حديث معي، أرهقني بمزيد من التحاليل، وفي كل مرة يؤكد الجميع نفس النتيجة، ويزداد صمته وهجره وهروبه من المنزل.
مرت أربع سنوات، لم نخبر الأهل بما يحدث، وزاد صمت زوجي، وتطور الأمر فأصبح حاد الطباع، وأدمن المبيت بعيدا عن المنزل، وأنا أحاول التماسك وأسأل نفسي ما ذنبي؟
لكن في إحدى الليالي واجهته صارخة: ما ذنبي؟ لماذا تعاقبني؟
لم يجب، وأشاح بوجهه عني، فجذبته بقوة قائلة:
– لا تتجاهلني، أنا هنا.
ألقى بحقيبته أرضا وصرخ:
المشكلة أنك ما زلت هنا.
تراجعت من الصدمة، وقلت:
– هل تريد مني الرحيل؟
صرخ بقوة:
– نعم، أنا طبيب، و أعلم جيدا أن حالتك ميؤوس منها، ومع ذلك حاولت وحاولت لكن دون جدوى، أريد طفلا؛ هذا حق لي..
أجبته وقد غلبتني دموعي واختنق صوتي:
– إذًا، الحل رحيلي لتجد زوجة أخرى؟ لكن ماذا لو كنت أنت المريض؟
أجاب بسرعة:
– كنت تركتك، فأنا لست أنانيا
ابتسمت ابتسامة مهزومة وقلت:
– قضي الأمر، سأرحل
قال، وكان قد أصبح أكثر هدوءا:
– يمكنك البقاء كزوجة ثانية.
قلت بتهكم:
– يا لكرمك! أشكرك
لملمت شتاتي ورحلت لمنزل أبي، حاولت جاهدة أن أعبر تلك المحنة، وأسرتي تساندني، لكني كنت كالطير الجريح أحاول التماسك نهارا، وأقضي ليلا قاسيا تملؤه الدموع.
ذلك اليوم حضر طليقي وأسرته لإنهاء الطلاق، ما آلمني إلا قسوة والدته، كيف كانت تتحدث بأنني لا يحق لي طلب أي شيء، فأنا عقيم، ومن الطبيعي أن يطلقني زوجي، كيف أتجرأ وأطلب حقوقي؟
ثار أبي الحبيب وتنازل عن كل شيء، وانتهى الأمر بهدوء، احتضنني أبي بقوة وقال:
– لا دموع بعد اليوم، أتدمع عيناك وأنا حي؟!
قالها ومسح الدموع عن وجهي، أنا بالفعل كنت بحاجة لذلك الحضن، ثم قال لي:
– لكل منا عثراته، وأيضا لكل منا رسالة عندما يحين الوقت ستجدين الإشارة.
قلت بانتباه:
– أي إشارة؟
قال وقد ابتهج لانتباهي:
– إشارة من الله؛ عندها ستجدين الطريق.
مرت الأيام، ضمدت جراحي وعدت لعملي بالمشفى، فأنا طبيبة لكني أهملت عملي بعد زواجي، أنهيت رسالة الماجستير وقرأت كثيرا، سافرت أيضا لحضور الندوات، رأيت الحياة في عيون الأطفال المرضى بعد شفائهم، كونت عائلة كبيرة من الأصدقاء بالمشفى، إلا ذلك الطبيب الذي كان دائم التجهم، قليل الحديث إلا عن أمور العمل، منعزلا عن باقي الأطباء، كان دائما لا ينظر إلي عند الحديث معي، وكنت أكره ذلك جدا وأقول في نفسي:
– مغرور.
زادت شهرتي كطبيبة أطفال، بعيادتي الخاصة وأيضا بالمشفى، وبعد يوم طويل بينما كنت أحاول الاسترخاء إذا بطفلة تقتحم غرفتي دون استئذان، وأغلقت الباب بسرعة وهي تضحك وتقفز، ثم التفتت فرأتني، فتجمدت مكانها صامته، وأخفت وجهها بكفيها، اقتربت منها مبتسمة وقلت:
– هل لي بسؤال الجميلة عن اسمها؟
نظرت إلي وهي تتفحصني، ثم اقتربت مني ولمست وجهي وقالت:
– أمي.
وارتمت في حضني، حينها اندفعت إحدى الممرضات قائلة:
– خديجة، أنت هنا؟
نظرت إليها الطفلة وهي تضحك، اعتذرت الممرضة، ثم قالت: – تركها معي والدها لينهي عمله؛ إنه طبيب هنا.
ثم أكملت:
– إنه الطبيب المتجهم.
واقتربت وهمست قائلة:
– توفيت زوجته منذ عام تاركة تلك الطفلة المسكينة وطفل رضيع.
يا لحماقتي و تسرعي في الحكم على الآخرين!
الآن علمت سبب تجهمه ونظرة الحزن بعينيه؛ لكل منا صندوقه الأسود الذي يحوي الأسرار، لماذا نطلق الأحكام على إنسان لم نفتح صندوقه من قبل؟
قطع وصول والدها شرودي وهو يعتذر عن تطفل طفلته، وحاول حملها، لكنها تمسكت بي صارخة:
– أمي.
اندهش والدها وزاد خجله، فطلبت منه تركها معي حتى تهدأ، وبنهاية اليوم غطت الطفلة في نوم عميق، وشكرني والدها، وعرض علي المغادرة معه بسيارته، لا أعلم لماذا قبلت؟ لعلني أريد الاحتفاظ بخديجة بحضني لوقت أطول.
تبادلنا أطراف الحديث، حدثني عن طفليه، وعن مرض زوجته، وحدثته عن العمل ومواضيع أخرى، ووصلت لمنزلي، ولم أشعر بطول الطريق، تبادلنا الأحاديث بالعمل، ثم الابتسامات، ثم حديث العيون.
حتى ذلك اليوم؛ عندما عدت لمنزلي لأجده مجالسا أبي وأخي وكان يطلبني للزواج، أخبرته بسبب طلاقي، وتفاجأت بمعرفته بكل التفاصيل، وأنه يكتفي بي و بطفليه، وأنني سأصبح أما رائعة لهما، تذكرت ما قاله أبي لي؛ لعل خديجة هي إشارتي، لذلك لم أجعله ينتظر طويلا وتزوجنا، أصبح لي أسرة سعيدة وزوج محب.
أثبتت الأيام صدق حبه بحسن معاشرته واحترامه لأسرتي، فنال ثقتهم وحبهم، كأن الله يمسح الحزن عن قلبي ويمنحني أكثر مما تمنيت.
علمت أن زوجي السابق أصابه المرض ولن ينجب، وقد تركته زوجته، ووالدته لا تتوقف عن البكاء.
افعل يا ابن آدم ما شئت؛ كما تدين تدان، لو تيقن الإنسان أن تقبله لقدره هو طريقه للفرج لتجرع المر وصبر.
قطعت خديجة أفكاري وهي تركض لترتمي في حضني، وأنا أحملها وأنهال على خديها بالقبلات، وزوجي الحبيب من خلفها يبتسم قائلا:
– هيا، إنني أتضور جوعا.
قلت:
– وأنا أيضا.
خرجنا أربعتنا وتشابكت أيدينا، فحمل الطفل، وحملت خديجة، فأحاطت وجهي بأناملها الصغيرة وهي تردد في فرحة:
– أحبك يا أمي، أحبك…
رسالة القدر

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى