كانت أمي في منتصف عقدها الثالث عندما حباها الله ابنتها الأولى .. وعلى الرغم من ما كان يراه الأطباء من ضرورة التخلص من هذا الحمل .. إلا أن أبي وأمي قد قرروا الاحتفاظ به وأن يستودعوا الله جنينهم ليحفظه ويرعاه .. وعلى الرغم من كل الصعاب والمتاعب التي واجهتهما إلا أن الله قد أتم فضله ونعمته عليهم بأن يرزقهم بطفلةٍ صغيرةٍ جميلة معافاة.. وعندما رآها أبي للمرةِ الأولى _كما قال لي_ وقع في غرام تلك الكتلة الصغيرة من اللحم الأحمر لتسأله أمي كم تعبنا لأجل أن نستحق هذه الصغيرة الجميلة .. ليتنهد أبي طويلًا ويقول لها لم نتعب بل كان صموووود، نعم أسماني أبي صمود تيمنًا بكل ما مروا به وعانوه أو على حد قوله عانيته أنا أيضًا معهم حتى أتى إلى الدنيا في أمانٍ وسلامٍ.
كانت طفولتي عادية لا شئ فيها قاسي وكذلك لا أحداث مبهرة فيها فقط عادية .. إلى أن جاء اليوم الذي اصطحبني فيه أبي من المدرسة في غير موعدي وعاد بي إلى البيت، وقبل أن نصعد احتضنني طويلًا وأخبرني أشياءً كثيرة بصوته المختنق بالدموع .. التي كانت متحجرة في عينيه ولم يسعني أن أفهم من حديثه الطويل إلا أن أمي لن تعد تنتظرني في المنزل بعد اليوم، وأنها لن تجدل لي خصلات شعري أبدًا وأنها لن تحتضني في فراشي قبل النوم مجددًا وأن وأن وأن وأنها فقط رحلت ولن تعود أبدًا.
نعم لقد رحلت أمي في الصباح بسلامٍ وهدوءٍ كعادتها، ومنذ ذلك اليوم وقد تعاهدنا أنا وأبي أن نتقاسما معًا كل أعباء الحياة، كان يشاركني كل أمور وتفاصيل يومه وعمله وحياته كما لو كنت فتاة كبيرة ناضجة.. كان يستعين برأيي في أدق التفاصيل بالبيت وحتى في طريقة ارتدائه لثيابه.. وأنا كذلك كنت أعده صديقًا مقربًا لي ومعلمًا مخلصًا..
فعلًا هنا كانت طفولتي وريعان شبابي مبهرين، فكان لي أبًا لم تحظى أيًّا من الفتيات في سني بأبٍ مثله قط.. لم يكن أحد من أبائهن يشتري معها الفساتين والتنانير ويصحبها في نزهة على الكورنيش وهو ممسكًا بيدها، فتشعر أنها تملك العالم بين يديه ..
لم تجلس إحداهن طوال الليل مع أبيها يقرأون الكتب ويتدارسونها ويتناقشون فيها كصالونًا أدبيًا..
حتى عندما خفق قلبي وأحببت، لم أتردد أو أفكر لثانية أن أخبره وأستعين بمشورته.. وما إن تعرف على ذلك الشاب الذي أسرَ قلب أميرته_ كما كان يدعوني_ حتى تحول لأب كذلك له وأحبه كثيرًا لأجلي ووقف معنا ودعمنا حتى تمكنا أن نؤسس بيت الزوجية..
وكنت بشكل يومي أخرج من عملي لزيارته لأساعده في شؤون المنزل وأؤنس وحدته فأجده قد أعد كل شيئٍ كعادته مسبقًا، وأحيانًا يجهز لي وجبة لآخذها معي إلى منزلي لأنه يعلم أني أعود منهكة.. حتى عندما رزقني الله بحملي وصارت حركتي ثقيلة كان يأتي لزيارتي بشكلٍ مستمر.. كان زوجي دومًا يخبرني أنه يرى أنهار الجنة في عيني أبي.. كم كنت فخورة بأنني ابنة هذا الرجل، وكم كنت مولعة بحبه وأشعر بعظمة نضالنا معًا في هذه الحياة.
وفي يومٍ تأخر أبي عن زيارتي فاتصلت بزوجي أطلب إليه أن يصلني إليه لأطمئن عليه لأدخل إلى المنزل أجده جالسًا على كرسيه نائمًا ومحتضنًا مصحفه بين يديه..
حمدت الله و توجهت إليه لأوقظه حتى يذهب إلى غرفته يستريح بها .. لم يجبني أنا أو زوجي .. جلست علي ركبتي أمامه أتأمل رأسه المنتصبة في شموخٍ كالجبالِ واحتضن العروق بكفيه وأُقبلها بشفتي وزوجي ينتحب بالدموع كالأطفال، وأنا لا أفهم لماذا يبكي ولماذا ينتحب هكذا؟!.. إن أبي يستريح قليلًا وسيقوم كعادته يقبلني على جبيني ويربت على كتفي ليشجعني على مواصلة يومي لا يمكن أن ينتهي كل هذا هكذا فحسب .. دون وداع دون احضان أو قُبلات دون نصيحةٍ أخيرة أو حديثٍ أخير…
كانت أيامُ العزاءِ مريرةً وثقيلة.. وعلى الرغم من هذا الرحيل والغياب القاسي لأبي.. كانت رحمة ربي بميلاد مشرق لي .. فبعدها بأيام رزقني الله بولادتي لإبني، وأول ما إن حملته بين أحضاني صرت انظر إلى وجهه الضئيل وكفيه الهزيلين وهو يصرخ معلنًا مجيئه إلى الحياة .. احتضننا زوجي وهو يربت على كتفي .. فنظرت إليه وعيناي تدمعان فرحًا وقلت له نضال
اسميته نضال ……….