
الوصف القانوني لتناول المنشطات الرياضية
بقلم: مصطفى نصر
لعله من نافلة القول أن الرياضة هي تنافس شريف يقوم على قدرة وكفاءة الرياضي في هزيمة الخصوم بقدراته الخاصة الناتجة عن اجتهاده المتراكم بالتدريب وصقل الموهبة، أما استخدام المنشطات لاكتساب قدرات تتفوق بها على الخصم فهي جريمة مكتملة الأركان يقع تحت طائلتها القانونية الرياضي وربما تمتد للمدرب وطبيب الفريق والإداري لو تستروا على هكذا سلوك.
ولعل من أعظم ما كتب في هذا الشان، وأبلغ ما سُطر في بيان خطر المنشطات وأثرها في تقويض القيم الرياضية وتهديد الضمانات الجنائية، ذلك المؤلف القدير الفريد للأستاذ الدكتور محمود كبيش، الموسوم باسم “المسؤولية الجنائية عن استعمال المنشطات في المسابقات الرياضية”، وهو سفر علمي رصين، شرفني كاتبه باهدائي نسخة منه جمع فيها بين عمق الفقة ودقة القانون، وبين جزالة العبارة وسلامة الإشارة، حتى غدا مرجعاً لا يبارى، ومورداً لا يظمأ عنده الباحثون.
وما أن تقع العين على صفحاته حتى تدرك أنك أمام عقل قانوني نافذ، وقلم رصين إذا كتب أحكم، وإذا حلل فصل، واذا ناقش أقام الحجة فأخجل الخصم وأسكت المعترض.

وبعد دراسة وافية للنصوص القانونية في قانون ممارسة الرياضة للعام ٢٠٠٣، ويهدف هذا القانون تحديداً إلى تطهير الساحة الرياضية في كل الألعاب من الغشاشين، سواء بالإيقاف والغرامات وسحب البطولة والحرمان من التنافس لفترة محددة؛ لأن المنشطات تعاقب متعاطيها بمشاكل صحية متعددة مثل ضغط الدم وزيادة الضغط على القلب، تخثر الدم، السكتات الدماغية، النوبات القلبية، الانسداد الرئوي.
ويمكن أن تسبب المنشطات الأرق والقلق وفقدان الوزن والاعتماد والإدمان والجفاف والرعشة وزيادة معدل ضربات القلب وضغط الدم وزيادة خطر الإصابة بالسكتة الدماغية والنوبات القلبية وعدم انتظام ضربات القلب.
ولئن كانت الرياضة ميداناً للتنافس الشريف، فإن المنشطات جعلت من بعض ميادينها ساحات زيف لا ساحات شرف، إذ تحول السبق من سبق إقدام إلى سبق إجرام، ومن قوة تدريب إلى قوة تركيب، فاختلط العرق بالورق، والجهد بالغش، والحلبة بالحيلة.
ومن هنا تدخل القانون الجنائي لا ليحمي مجرد قواعد اللعب، بل ليصون قيمة الإنسان ذاتها، لأن المتعاطي للمنشطات لا يعتدي على منافسه فحسب، بل يعتدي على الحقيقة الرياضية، ويغتال مبدأ تكافؤ الفرص اغتيالاً معنوياً خفياً، في جريمة قد تخفى آثارها عن الأبصار ولكنها لا تخفى عن ميزان العدالة.
فالمنشطات ليست مجرد مخالفة رياضية عابرة، بل قد تغدو فعلاً مُجرماً متى اقترنت بالغش أو التزوير أو الإتجار المحظور، فيلتقي فيها التدليس بالتلبيس، والضرر بالخطر، ويصبح الجسد ميداناً للربح، لا موضعاً للشرف.

ومن الناحية الجنائية، فإن المسؤولية عن استعمال المنشطات تتشعب تشعباً دقيقاً، فلا تقف عند حدود اللاعب وحده، بل تمتد إلى الطبيب والمدرب والإداري وكل من شارك أو سهل أو أخفى، فتقوم المسؤولية على القصد تارة، وعلى الإهمال تارة أخرى، بحسب الأحوال والملابسات.
وهنا تتجلى عبقرية القانون الجنائي في التفرقة بين من دس السم في جسد الرياضة عمداً، ومن فتح له الباب تفريطاً، ومن تاجر بالصحة تحت ستار البطولة.
فالمنشطات ليست دواء يداوي، بل داء يغاوي، ترفع الجسد ساعة لتسقط القيم دهراً، وتمنح نصراً عارضاً لتورث خزياً لازماً. ولذلك أحاطتها التشريعات الحديثة بسياج من التجريم الصارم، حماية للرياضة من أن تتحول من ميدان فضيلة إلى سوق رذيلة، ومن مضمار بطولة إلى مضمار جريمة.
وختاماً.. كل التحية لدكتور محمود كبيش على هذا الكتاب الرائع الذي ربط بين القوانين الجنائية في عدة دول منها مصر والسودان وإنجلترا وفرنسا، مقروءة مع ما نصت عليه قوانين الفيفا واللجنة الأولمبية الدولية، والاتحاد الدولي لألعاب القوة في هذا الصدد.













