هل تقدر مسارات الاقتصاد المصري على التحدي الداخلي والخارجي؟؟!!
بقلم المستشارة: رحاب نادى عسران
دائمًا أبدأ مقالاتي بتساؤل!!
وهذا هو حال الشارع المصرى في الوقت الراهن، الكثير والكثير من التساؤلات، أهمها هل الاقتصاد المصري يسير على المسار الصحيح ؟؟؟!!! وهل هو قادر على التحديات الخارجية والداخلية !!!!!
وللإجابة عن هذه التساؤلات يجب النظر أولا للاقتصاد العالمي الذي يمر بمرحلة جديدة من مراحل تطوره ولكن ذلك يحدث بخشونة وصلت لحد تكسير العظام بين القوى والتكتلات الكبرى رغبة من الجميع في فرض وجودهم بصورة أكبر في عالم المستقبل، وهذا الأجواء تسببت فى أضرار كبيرة في كل أنحاء العالم، وتحمل البسطاء تبعاتها في صورة ارتفاع لأسعار الطاقة، ومبالغة في تكاليف الشحن، وارتفاع تكاليف عناصر الإنتاج بصفة عامة بفعل اتساع نطاق العقوبات التجارية لأكبر مدى تاريخي لها.
وما تلاه من أحداث أخطرها الحرب الأوكرانية وما ارتبطت به من عقوبات عصفت باستقرار سلاسل الإمداد بصورة بلغت مداها مع اندلاع الحرب في غزة وتأثيرها على حركة الملاحة في البحر الأحمر، ووسط كل ذلك تعاملت مصر مع الأحداث من خلال سيناريو أول بأن تستقر الأوضاع في مدى قصير، وفيه تحمل الدولة الفاتورة كاملة نيابة عن المواطن وقامت بتنفيذ ذلك، ولكن ما تحقق هو السيناريو الأصعب وهو استمرار التحديات العالمية على المدى الطويل وهو ما استلزم مشاركة المواطن في تحمل العبء في ظل تحديات كبرى وغير مسبوقة على مالية الدولة المصرية.
حيث بدأت الدولة بنموذج قائم على “التشدد النقدي” من البنك المركزي بما في ذلك سياسة رفع تدريجي لأسعار الفائدة، وفي المقابل سياسة تيسير مالي موجه من الحكومة يتم من خلال تقديم أكبر قدر من التيسيرات لقطاع الأعمال، وزيادة دخول للمواطنيين، ومن طبيعة هذا النموذج أنه يصلح في الأمد القصير وفقاً للسيناريو الأول السابق ذكره، ولكن لا يمكن استمراره في المدى المتوسط أو الطويل، وهذا الأمر دفع الحكومة لتبني نموذج “التشدد النقدي والمالي” معا والذي يركز على رفع أسعار الفائدة وخفض الإنفاق الحكومي الاستهلاكي والاستثماري، مع اتخاذ إجراءات إضافية تحفز نشاط القطاع الخاص المحلي والأجنبي لقيادة النمو بما ذلك جذب استثمارات أجنبية مباشرة، والإسراع من الخطوات التنفيذية لتطبيق وثيقة سياسات ملكية الدولة مع استمرار زيادة مخصصات سياسة الحماية الاجتماعية.
وتقييما لتلك السياسة المالية، فإن سياسة التشديد النقدي والمالي فرضتها الظروف العالمية، ولا يوجد بديل لها، وتعالج تبعاتها من خلال مشاركة أكبر للقطاع الخاص تفتح الباب لخلق وظائف وزيادة الإنتاج من خلال دوائر اقتصادية لا تشترك فيها الحكومة، وعندما نكون أمام نموذج من السياسات يرتبط بمشاركة القطاع الخاص، فإن هذا الأمر يكون أصعب حيث أن مدى النجاح مرتبط بقطاع من المستثمرين لا يمكن إلزامه بالتوسع في النشاط، وهنا تكون ضمانة النجاح متوقفة على جودة برامج التحفيز، والإدارة المرنة للمتغيرات، والفهم الأمثل للشرائح المستهدفة من المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال.
أما عن التشريعات الاقتصادية فإنها تدور عموماً ما بين الثبات بما يحمله من استقرار قد يحتاج لتطور، وبين المرونة التي تتعارض مع ميزة الاستقرار التشريعي، والنجاح التشريعي يدور بينهما، ولكن الملاحظ خلال السنوات الاخيرة هي المرونة التشريعية السريعة حيث نجد أن بعض القوانين يتم تعديلها بصورة شبه سنوية، وهو الأمر الذي إن كان يعكس مرونة فإنه أيضًا يعكس عدم القراءة الكاملة للواقع الذي يصدر التشريع لمواجهته، كما أنه يخلق حالة من الترقب التشريعي تحد من تجاوب الشرائح المستهدفة مع القواعد التشريعية، مثل قانون التصالح في مخالفات البناء الذي تم صدوره وتعديله أكثر من مرة في فترة قصيرة، بما يعني أن فكرة التشريع الذي يعتمد على آلية التجربة والتعديل وفقاً لتفاعل الشرائح المستهدفة لا تصلح دائمًا ولا يمكن التوسع فيها.
ولذلك يجب أن تكون هناك دراسة متكاملة للأثر التشريعي للكثير من التشريعات الاقتصادية الحالية، مثل ملف البناء في المدن القديمة وتسجيل العقارات الذي ترتب عليه تباطؤ شديد في حركة البناء بالمدن القديمة، مما حمل الدولة عبء التصدي بتنفيذ مشروعات عقارية تمتص عمالة ذلك القطاع، كما أن مستثمري الإنشاءات عندما تباطأ نشاطهم لم يتحولوا للقطاع الإنتاجي، ولكنهم تحولوا لحيازة الأصول والعملات الأجنبية لحفظ قيمة رؤوس أموالهم مما خلق مشكلات أكبر.
ورغم تلك التحديات المنصبة على الاقتصاد المصري إلا أنه يمتلك كافة مقومات التنمية في المدى البعيد بعد أن تعززت تنافسيته من خلال إنفاق تريليونات الجنيهات في إنشاء بنية تحتية تناسب المستقبل، ولكنه كان يواجه أزمة سيولة عملات اجنبية في المدى القصير، وقد قامت الحكومة بأخذ إجراءات وحزمة تمويله أهمها صفقة رأس الحكمة، والاتفاقات التمويلية مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، كما أن الدولة المصرية تنطلق في عمليات الإصلاح الهيكلي بما يمكنها من استكمال تحقيق مستهدفاتها لاستراتيجية التنمية 2030 وهي قادرة علي ذلك.