في روايته الفريدة “حضرة المحترم”، يُقدّم لنا الأديب العالمي نجيب محفوظ صورة مجرّدة للطموح حين يتحوّل إلى غايةٍ تبتلع العمر.
تدور الرواية حول عثمان عبد الباسط، الشاب الذي يرى في الوظيفة الحكومية سلّمه نحو المجد، وفي لقب “حضرة المحترم” التاج الذي سيعلو رأسه متى بلغ القمة.
عثمان يختار طريقًا صارمًا، يخلو من العلاقات، يخلو من الحب، يخلو من كل ما قد يشتت ذهنه عن هدفه. يرفض الزواج، ويقصي الأصدقاء، ويجعل من المكتب محرابه اليومي، ومن الترقيات صلواتٍ منتظرة. لكن ما الذي يحدث حين يصل إلى القمة؟ حين تُقرع الطبول احتفالًا بلقب “حضرة المحترم”؟
الرواية لا تجيب مباشرة، لكنها تُلقي بالقارئ أمام مرآة كبرى، يرى فيها عثمان وحيدًا، وقد شاخ قلبه، وتبدّد وقته، واكتشف أن الحياة لم تكن يومًا في المكتب، بل في كلّ ما تجاهله باسم الطموح: الحب، الأبوة، العلاقات، التفاصيل الصغيرة.
“حضرة المحترم” ليست فقط حكاية موظف، بل أشبه بمسرحية داخلية تتصارع فيها أحلام الإنسان مع الزمن. هي سؤال وجودي: هل تستحق المناصب أن نرهن من أجلها أعمارنا؟ وهل اللقب وحده يكفي حين ينفضّ من حولنا الناس وتخفت الأحلام؟
بنَفَسه الرمزي العميق، وسرده الفلسفي، يجعلنا نجيب محفوظ نُدرك أن النجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بما نُحقّقه، بل بما نحتفظ به من إنسانيتنا ونحن نسعى.
رواية قصيرة، لكنها كفيلة بأن تزرع فينا تساؤلات طويلة، وأن تجعلنا نعيد النظر في الطريقة التي نُدير بها أعمارنا، وهل نعيش فعلاً أم نُراكم فقط إنجازاتٍ لا روح فيها.
رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.