أدبي

ما هو الحب

غادة بوفخرالدين

ما هو الحب؟

غادة بوفخرالدين

طرقتْ صديقتي ذات مساء، وبعينين غارقتين بالدموع، سألتني: «هل هناك حبٌّ حقيقي؟ أم أنه مجرد كذبة؟»

التقطتْ أنفاسها بصعوبة، ثم ارتمتْ في حضني تجهش بالبكاء، وقالت: «أم ترين أنني أنا التي لا تستحق أن تُحَب؟ أجيبيني، أرجوكِ…»

ذات صلة

نظرتُ إليها طويلًا، وشعرتُ أن السؤال أكبر من أن يُجاب عنه بكلمة، وأثقل من أن يُلقى في لحظة عابرة.

فالحب ليس وردةً تُهدى، ولا يدًا تُمسك بالأخرى، ولا وعدًا يُقال في لحظة حنين ثم يذوب.

الحب أعمق من كل ذلك… خفيّ، لكنه يترك أثره فينا حين يمر، كما يترك الضوء أثره حتى بعد أن يغيب.

ولأن الإجابة لا تُقال على عتبة باب، ولا تُختصر في نصيحة سريعة، أخذتُ بيدها برفق وأدخلتُها، كأنني أحاول أن أُبعدها قليلًا عن برد الأسئلة التي كانت ترتجف فيها.

حضّرتُ لها كوبًا من الشوكولاتة الساخنة، ووضعتُه أمامها بهدوء، ثم قلتُ لها: «أنتِ تعلمين أنكِ جميلة، وتستحقين أن تُحِبّي وتُحَبّي، لكن لماذا هذا السؤال الآن؟ ماذا حصل؟»

رمشتْ بعينيها، وكأنها تطرد دموعًا عالقة ترفض مغادرة عينيها، وقالت: «لا أدري… كلما قلتُ إنني وجدتُ الحب، يتلاشى، وكأنه حلم يهرب من أمامي كلما فتحتُ عينيّ وأمعنتُ النظر فيه.

لا أدري ماذا أجيب… سكتُّ. ماذا أقول لها وأنا نفسي لا أدري إن كان هناك حب أم لا، أو إن كان الحب استحقاقًا أم لا؟

كيف أُبرّد قلبها وأنا قلبي يتأجج بنار الشك والحيرة؟

من أين أبدأ؟ كنتُ أستمد طاقة الحب من كل ما هو حولي؛ من القراءة، والأغاني، والكتابة. لم أُصادف يومًا تجسيدًا لهذه الطاقة… كيف يكون شكلها حين تتجسد؟»

لم أستطع أن أقول شيئًا لا أؤمن به، ولم أشأ أن أكذب عليها.

فقلتُ لها: «أنتِ الحب… أنتِ رائعة حين تكونين حقيقية وصادقة. ربما هذا هو الحب.

أما الحب الشائع، فربما يكون كذبة اخترعها الإنسان ليعيش، أو ليسيطر… لا أدري، ربما ليتكاثر، أو ليشعر بالأمان…

وربما لم يحن الوقت بعد لتشعري به، فلا تُهدري طاقتك. ثقي بنفسك فقط، وبنظام الكون، وسيطرق الحب بابك حين يحين الوقت.»

المشكلة أن الإنسان، حين لا يُقابل الحب بالشكل الذي تخيّله، يبدأ يظن أن الخلل فيه هو.

كأن الحب جائزة تُعطى لمن يستحق فقط، بينما الواقع أعقد من ذلك بكثير.

هناك أناس رائعون عاشوا دون أن يجدوا من يفهمهم حقًا، وهناك أناس أحبّوا وتُركوا، لا لأنهم ناقصون، بل لأن البشر أنفسهم مرتبكون، خائفون، ومتغيرون.

لمعتْ عيناها، ورسمتْ بسمةً على شفتيها، وكأنها ألقتْ ما كان يثقلها. لقد أتت لتشارك ما يعتمل في قلبها، لا كي تجد إجابة أو حلًا، فهي تعرف أن الحياة لا تمنحنا دائمًا ما نتمنى، بل ما تخبئه لنا من أشياء كثيرة.

شكرتني وغادرتْ أخفَّ مما أتت.

لكن سؤالها وُشم داخلي: هل الحب موجود حقًا؟

شيماء الجمل

شيماء الجمل، حاصلة على بكالوريوس إدارة أعمال – تخصص إدارة مالية من الأكاديمية العربية. تعمل في تقييم الأعمال الأدبية، بدور نشر متعددة، ولها مساهمات في نشر وتحرير كتب مجمعة. نشرت قصصًا قصيرة في كتب إلكترونية ومطبوعة، وتشغل حالياً مسؤولية القسم الأدبي في جريدة العدد الأول. تهتم بالسرد الأدبي والكتابات الثقافية المتنوعة.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي