
إنسانية مستترة
الكاتبة: حنين الرفاعي
وقف عند نافذته بغيظ، يراقب الأثاث وهو يُنقل إلى الشقة المجاورة. لم يكن بحاجة إلى مزيد من الإزعاج في حياته، لكن يبدو أن الواقع له كلمة أخرى. ظهر الجار الجديد بين العمال، يوجّههم بكلمات متقطّعة بلهجة ثقيلة لا تشبه لغة البلد. كان واضحًا أنه أجنبي، يتعثّر في التعبير ويكرر كلامه حتى يُفهم. تابعه بنظرات ضيّقة، وانزعاج يتسلّل إلى صدره دون سبب واضح. لم يتبادلا كلمة، لكن حضوره كان كافيًا ليترك شعورًا بعدم الارتياح.
أغلق النافذة بقوة، وكأنّه يحاول أن يغلق معه بداية شيء لا يريده، ولم يدرك أن تلك البداية الصغيرة ستتحوّل سريعًا إلى توترٍ دائم لا يهدأ. سكن الجاران، لكن لم يربط بينهما شيءٌ إلا الشجار، ولا يعرف الودُّ طريقًا إليهما. كانت الأصوات ترتفع، والخصومة تزداد، حتى حفظتهما الشرطة عن ظهر قلب.
حتى جاءت تلك الليلة؛ ضجّة، وسيارة إسعاف تتوقّف عند أحد البيتين، تُخرج أحدهما وهو يتلوّى. حالته حرجة. نظر الجار الآخر من نافذته ثم أغلقها. عدوّه يصارع الموت، “سيرتاح منه وأخيرًا”، ومع ذلك بقي شيء في صدره لا يهدأ… أهو فراغ الخصام أم الاعتياد عليه؟
مرّت الأيام، وغاب الصوت الذي كان يملأ المكان. فلا غضبٌ يثور، ولا صخبٌ يمور. فتساءل: أين ذاك الجار؟ وما الخبرُ اليقينُ في الآثار؟ ثم علم أنه لا يزال بساحةِ السقام، يصارعُ الموتَ في دارِ الغربةِ والآلام، بلا أنيسٍ يواسي، ولا جليسٍ يُناسي، سوى ذكرياتِ عداوةٍ قديمةٍ وخصامٍ مرير.
ولما دخل دارَهُ، وجد الصمتَ قد استبدَّ بأرجائها، والوحشةَ قد مدَّت أطنابها في أنحائها. تيقَّن حينها أنَّ ضجيجَ جارهِ كان نبضاً للحياة، وأنَّ جفاءَهُ كان صوتاً يطردُ عنهُ وحشةَ الفناء. لم يجد بُداً من المسير، ليقتفي أثرَ جارهِ الكسير. هناك في المشفى، رآه مُسجّىً بوهن، كأنه غريبٌ يلفُّه كفن. تلاشت في عينيهِ نظراتُ التحدي، وحلَّت مكانها غصاتُ التردي. لم يعد يرى فيه غريباً يُزاحمُه، بل إنساناً يُجاهدُ في المنفى ما يُداهمُه.
دنا منه بقلبٍ وجيب، وروحٍ تُجيب. مدَّ يدَ الودِّ بعد طولِ الصدِّ، ومسحَ عن جبينِ الغريبِ عناءَ السنين. لم تكن بينهما لغةٌ تُقال، بل دمعةٌ أصدقُ من كلِّ مقال. غدا يغدو إليهِ بالرعايةِ والقِيام، ويذودُ عنهُ مرارةَ الأيام، حتى استقامَ عودُه، وعادَ للحياةِ وجودُه.
حين عادا، لم يرتطم بابٌ بغيظ، ولم يضِق صدرٌ بقيظ. وقف الأجنبيُّ على عتبةِ المآب، وبثَّ شكرَه بلغةِ القلوبِ لا بلهجةِ الخطاب. أدرك الجارُ حينها أنَّ الخصومةَ كانت وهماً يتبدد، وأنَّ معدنَ الإنسانِ في المِحَنِ يتجدد؛ فأغلقا أبوابَهما بسلام، بعد أن فُتحت بين قلوبهما نوافذُ الوئام.













