تعليمعلم نفسمقالات متنوعة
أخر الأخبار

جذب الطلاب للمدرسة مسئولية مشتركة بين الأهل والمدرسة 

جذب الطلاب للمدرسة مسئولية مشتركة بين الأهل والمدرسة 

 

بقلم: د. عبير  عاطف

 

يُعدّ شعور الطالب بالانتماء والرغبة في الذهاب إلى المدرسة مؤشرًا نفسيًا مهمًا لنجاحه الأكاديمي والاجتماعي. لكن كثيرًا ما نلاحظ عزوف بعض الطلاب أو شعورهم بالملل والضغط، مما يثير تساؤلًا جوهريًا: من المسئول عن جذب الطلاب للمدرسة؟ هل هم الأهل أم المعلمون؟

 

من منظور علم النفس التربوي، ينجذب الطالب للمكان الذي يُشبع حاجاته الأساسية الثلاث وفقًا لنظرية تحديد الذات (Self-Determination Theory):

1. الحاجة إلى الانتماء: أن يشعر أنه مقبول ومحبوب من أقرانه ومعلميه.

2. الحاجة إلى الكفاءة: أن ينجح في إنجاز المهام ويُشعر بالتقدير.

3. الحاجة إلى الاستقلالية: أن يُعطى مساحة للاختيار والتعبير عن نفسه.

وبالتالي، أي بيئة مدرسية أو أسرية تشبع هذه الحاجات ستجعل الطالب يقبل على المدرسة بحب، والعكس صحيح.

 

دور الأهل في جذب الطالب للمدرسة

 

– التهيئة الإيجابية: تقديم صورة ذهنية للمدرسة باعتبارها مكانًا للتعلم والمتعة وليس للعقاب.

– الدافعية الداخلية: تشجيع الطفل على طرح الأسئلة واكتشاف العالم من حوله، مما يربط بين الفضول والتعلم.

– الاستقرار الأسري: الجو الأسري الداعم والهادئ ينعكس على استعداد الطالب النفسي للتعلم.

– المشاركة الوجدانية: متابعة تفاصيل يومه المدرسي والاهتمام بمشاعره أكثر من علاماته.

 

 دور المعلمين والمدرسة

– التدريس الجاذب: استخدام استراتيجيات التعلم النشط، الألعاب التعليمية، وربط الدروس بالواقع.

– المناخ النفسي الآمن: تجنّب السخرية أو المقارنة السلبية بين الطلاب، وبناء علاقة احترام متبادل.

– التقدير والتحفيز: كلمات بسيطة من المعلم قد تغيّر اتجاه الطالب نحو المدرسة بالكامل.

– الأنشطة الموازية: الفنون، الرياضة، المسرح، والأنشطة التعاونية تزيد من ارتباط الطالب بالمكان.

 

خطورة تبادل الاتهام

الخطر الأكبر يكمن عندما يلقي كل طرف (الأهل أو المعلمون) بالمسئولية على الآخر، فتصبح النتيجة جيلًا يفتقر إلى الدافعية للتعلم، بل ويفقد الرغبة في الحضور للمدرسة من الأساس.

حدث بالفعل أن واجهت إحدى الطالبات في الصف الثاني الابتدائي سوء تكيف مدرسي جعلها ترفض الذهاب بشدة، وعندما سُئلت عن بديلها قالت لأمها إنها تفضّل أن تعمل في بيع المناديل في المترو بدلًا من حضور المدرسة. هذا الموقف الصادم يوضح أن غياب الجاذبية المدرسية، وضعف التكامل بين البيت والمدرسة، قد يدفع الأطفال إلى بدائل قاسية وغير إنسانية فقط للهروب من بيئة لا يجدون فيها الراحة أو الدافعية.

 

خطوات عملية لجذب الطلاب إلى المدرسة

لتحقيق بيئة جاذبة تجعل الطالب يتطلع كل صباح للذهاب إلى المدرسة، يمكن اتباع الخطوات التالية:

1. تهيئة الجو الأسري صباحًا: بداية اليوم بابتسامة وعبارات مشجعة بدل الصراخ .

2. إشراك الطفل في التحضير: ترك مساحة لاختيار حقيبته أو بعض أدواته المدرسية يعزز إحساسه بالاستقلالية.

3. توفير روتين صحي: نوم مبكر، إفطار متوازن، وتنظيم الوقت ما بين الدراسة واللعب.

4. الترحيب بالطلاب في المدرسة: استقبالهم بابتسامة أو تحية خاصة من المعلم يعزز مشاعر الانتماء.

5. استخدام استراتيجيات التعلم النشط: أنشطة جماعية، ألعاب تعليمية، مناقشات مفتوحة بدل الحفظ الآلي.

6. التقدير المستمر: كلمات مدح، شهادات بسيطة، أو حتى ملصقات تشجيعية ترفع دافعية الطالب.

7. ربط المناهج بالحياة اليومية: ضرب أمثلة من الواقع تجعل الطالب يرى قيمة ما يتعلمه.

8. الأنشطة اللاصفية: الرياضة، المسرح، الفنون، والرحلات المدرسية تعطي الطالب سببًا إضافيًا للذهاب.

9. تخصيص وقت للاستماع للطلاب: إتاحة الفرصة للطالب ليعبر عن مشاعره ومشكلاته.

10. إبراز دور القدوة: المعلم الذي يظهر شغفه بالمادة، أو ولي الأمر الذي يتحدث عن أهمية العلم، ينقل الحماس للطالب.

11. خلق بيئة صفية جاذبة: ألوان مبهجة، لوحات تعليمية تفاعلية، مقاعد منظمة.

12. التعاون بين البيت والمدرسة: لقاءات مستمرة بين الأهل والمعلمين لمناقشة سبل دعم الطلاب.

13. تقديم نماذج ناجحة: استضافة خريجين أو طلاب متفوقين يحكون قصصهم الملهمة.

14. تنمية روح الفريق: تكليف الطلاب بمهام مشتركة تعزز التعاون والشعور بالمسئولية.

15. إتاحة مساحات للعب الحر: وقت قصير للمرح خلال اليوم يحافظ على التوازن النفسي للطالب.

16. معالجة المشكلات النفسية مبكرًا: كالتنمر، ضعف الثقة بالنفس، أو القلق المدرسي قبل أن تتحول إلى نفور من المدرسة.

17. استخدام التكنولوجيا التعليمية: عروض مرئية، تطبيقات، أو منصات تعلم تفاعلية.

18. بناء علاقة إنسانية: الطالب يتأثر بالمعلم الذي يتذكر اسمه، يبتسم له، ويشعره بالأمان.

هذه الخطوات المتكاملة، عندما تُنفذ بتعاون الأهل والمعلمين، تُحوّل المدرسة من مكان إلزامي إلى مكان مرغوب ومحبوب.

 

 مسئولية مشتركة لا تنفصل

من الناحية التربوية، لا يمكن أن نحمّل طرفًا واحدًا المسئولية:

الأسرة هي المصدر الأول للاتجاهات الإيجابية أو السلبية تجاه المدرسة.

المدرسة هي البيئة التي إما أن تعزز هذه الاتجاهات أو تُضعفها.

إذن، جذب الطلاب للمدرسة هو عملية تكاملية بين البيت والمعلم، حيث يعمل الأهل على غرس الدافعية، بينما يترجمها المعلمون إلى تجارب تعليمية ممتعة وهادفة.

إن نجاح المدرسة في أن تكون بيئة جاذبة لا يعتمد فقط على جدرانها أو مناهجها، بل على تعاون الأهل والمعلمين معًا لبناء تجربة إنسانية متكاملة. وحين يدرك كل طرف دوره، تتحقق المعادلة: طالب مقبل على التعلم، وأسرة فخورة، ومدرسة ناجحة.

 

د. عبير عاطف

دكتوراه في علم النفس التربوي، متخصصة في الإرشاد الأسري، وتتمتع بخبرة واسعة في التدريب الإعلامي والتنمية الذاتية، وتُكرَّم ضمن الشخصيات المؤثرة في الوطن العربي. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي