
“ثمة أشياءٍ لا تحدث كل يوم”
بقلم: منى أحمد إبراهيم
لطالما كان أكثر ما يخشاه قلبي أن يذبل ربيعه..
أن تتألم روحي وتفقد بريقها..
أن يستوطن الوجع أركاني.. ويعلن احتلاله لمدينتي..
أن يأتي يوم وقد أضحيت لا أعرفني..
فلا أملك نورًا كي أكمل طريقي..
ولا قدرة على الرجوع وتغيير والأقدار..
“كم أكره أن أكره!”
وأنا التي لم تعرف الكراهية لقلبي من قبل سبيلًا..
كيف لقلب كهذا أن يواصل المسير وقد ضلت بوصلته واختل ميزانه..
كيف لقلبٍ نَعِم طويلًا بالتبسم والبهاء والبهجة وحسن الظن وسلامة النوايا ولين المعشر وفيضان المشاعر..
أن يصبح قلوقًا متحفزًا منكسرًا تأكله الريبة ويؤرق مضجعه الخذلان المستمر..
كيف لقلب لم يكره حتى من ذاق على أيديهم المرارة والآلام..
كيف له ألا تنهكه الأيام فتفلته ليسقط معلنًا استسلامه.. وفشله في الاستمرار..
كم هو شاق أن تدّعي الثبات بينما كل أرجائك تتهاوى في صمت..
تتمنى فقط أن ترتمي في عناق صادق آمن.. فتغمض عينيك في أمان وتستريح..
كم أحلم بالاختفاء.. بالابتعاد عن كل شيء..
حفاظًا على ما تبقى لي من أنفة وكبرياء..
واحترامًا للنفس..
وصونًا لأطلال العشرة..
ولأنفرد بقلبي..
أرمم كسوره وأعينه على أن يكمل ما تبقى له من نبض في سكينة وسلام..
حتى الانزواء بات حلمًا ورفاهية بعيدة المنال..
لكن..
أيعقل أن تفارق النفس هواها..
كيف تهجر الطيور أعشاشها..
وتبرح الفراشات موطنها..
ليتني أعرف أن أبيع.. أن أرفع يدي عن كل شيء..
أن أدع عقلي يحكم ولو لمرة واحدة كما يرى ببصيرته.. لا كما يهفو له قلبي بمشاعره..
حينها سأعرف من حقًا يبتغيني..
ويبتغي محبتي..
من يراني بين الأفلاك أرضًا لا يمل وصالها..
فلا تبقيني فقط محبة قلوب طوقت بالمعروف رقبتي..
وأحاطت بجميل حنانها روحي..
سئمت ارتداء قناع السعادة..
وأنا فاشلة جدًا جدًا في ارتداء الأقنعة..
لا أضحك إلا لمن أضحك قلبي..
ولا أحب إلا من أحب قلبي..
ولا أود إلا من صان قلبي
أصون المودة.. والكلمة الطيبة..
لا أدعي المحبة أبدًا.. تبصرها في عيني إبصارًا..
وأفدي ديمومتها بنفسي..
ومن أجلها قد أفعل الكثير.. وأحتمل الكثير.. وأتجاوز عن الكثير والكثير..
وما دمت قد صرحت بالمحبة فاعلم أنك صرت في القلب نزيلًا دائمًا منتصرًا متنعمًا..
وإذا ما فرقتنا الأيام فمع الرحيل يوصد القلب على شرائط الذكريات فتبقى وأحبتها في أمان..
وبينما أعيد النظر فيما وفيمن حولي بهدوء..
آخذ القرار..
بعد طول صراع وعناء..
فأرحل..
دون أي ضجة..
بابتسامة وربما بعناق وكلمة وداع تضع سطر الخلود..
فأنا لا أرضى لمشاعري بأقل من الخلود سبيلًا..
أعرف قدر نفسي جيدًا..
صديقة لا تعوض..
وحبيبة لا تستبدل..
وروح لا تصادفها كل يوم..
وطن يفتح ذراعيه ويرحب بمن يعرف قدره.. ويلفظ من يستهين بقيمته..
أضع حدودًا شاقة ليس بإمكان أي كان أن يخترقها..
فإن حدث..
فأهلًا بك وألف أهلًا..
في معيتي..
ورفقتي..
أما من عبر وجرح ومضى..
من وصل فتهاون واستهان وخرق العهود والوعود..
وأساء بالقول والفعل تقديرنا..
فوداعًا يليق بصدق ما حملناه لهم..
وسلامٌ على قلوبنا..
التي لم تخسر يومًا..
ألا إنهم الخاسرون وسيعلمون ولو بعد حين..
ولا أنسى أبدًا مقولة:
“ثمة أشياءٍ لا تحدث كل يوم”…









