
بين الجبل والسفينة.. درس التوكّل في زمن العواصف
بقلم: د/ أحمد النجار
كثيرٌ منّا يعيش حياته وكأنّه في قلب عاصفةٍ لا تهدأ؛ قلقٌ على مستقبلٍ لم يأتِ بعد، وندمٌ على ماضٍ لا يعود، ومحاولاتٌ مُرهِقة لإحكام السيطرة على ما لا يُمسك.
نشعر بالخوف لأنّنا نُريد ضمان النتائج، ونرتبك لأنّنا نظنّ أنّ الطمأنينة لا تُنال إلا بالتحكّم الكامل في مجريات الأمور. ولو صدقنا مع أنفسنا لوجدنا أنّ هذا الوهم.. وهم السيطرة.. هو منبع القلق الأكبر، وأنّنا كلّما تشبّثنا به ازداد اضطرابنا.
هذا المعنى الإنساني العميق يضعه القرآن الكريم أمام أعيننا في مشهدٍ خالد من قصة نبيّ الله نوح عليه السلام. يقول تعالى:
﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾
ثم يذكر نداء نوح لابنه:
﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾
فيردّ الابن:
﴿سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾
فيأتي الحسم الإلهي:
﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ﴾
ثم تُسدل النهاية:
﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾
(سورة هود: 42–43)
في هذا المشهد تتجسّد المفاضلة الكبرى.. جبلٌ شامخ يوحي بالقوة والاستقرار، وسفينةٌ صغيرة في قلب موجٍ كالجِبال.
الجبل يُغري؛ لأنّه رمز ما نراه ونثق فيه بعقولنا المحدودة، أمّا السفينة فتمثّل ما نُطالَب به إيمانًا قبل أن يكون حسابًا.. الثقة بالله.
اختار الابن الجبل، أي اختار الاعتماد على الأسباب الظاهرة وحدها، وعلى وهم السيطرة البشرية، فكانت النتيجة أن جرفته الأمواج. أمّا نوحٌ ومن آمن معه فاختاروا السفينة، أي اختاروا التوكّل، فكانت النجاة.
التوكّل على الله لا يعني ترك الأسباب ولا الهروب من المسؤولية، بل يعني وضعها في موضعها الصحيح. قال النبي ﷺ:
«لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا»
(رواه الترمذي)
فالطير تخرج وتسعى، لكنها لا تحمل همّ الرزق ولا تتوهّم السيطرة على الغيب. هكذا يكون التوكّل: سعيٌ واعٍ، وقلبٌ مطمئن.
إنّ محاولة التحكم في الغيب فكرة سامة حقًّا؛ لأنّ الغيب بيد الله وحده. يقول تعالى:
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾
(الأنعام: 59)
وحين نُحمِّل أنفسنا عبء ما لا نملك، ننهك أرواحنا ونصنع قلقًا لا ضرورة له. أمّا الثقة بالله فتُحرّرنا؛ لأنّنا نُسلِّم أمرنا لمن يعلم، ويقدّر، ويرحم.
ومن ثمرات التوكّل أنّه يفتح لنا باب الشجاعة للتجربة والتطوّر. فالحياة لا تتقدّم بلا أخطاء، ولا ينمو الإنسان دون مخاطرة محسوبة. من يخشى الفشل لن يجرّب، ومن لا يجرّب لن يتعلّم. والتوكّل هنا يمنحنا الجرأة؛ لأنّنا نعلم أنّ النتائج أيًّا كانت لن تخرج عن حكمة الله. قال تعالى:
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
(الطلاق: 3)
وفي محطات حياتنا الصعبة، حين نقف بين خيارٍ يبدو أكثر استقرارًا لأنه يُمثّل حساباتنا المحدودة، وخيارٍ آخر قد يبدو مخيفًا لأنه يُمثّل ما نشعر أنّ الله يوجّهنا إليه، يتكرّر المشهد ذاته: جبل أم سفينة؟ تحكّم أم توكّل؟ والتجربة الإيمانية تقول لنا بوضوح: ليست النجاة في صلابة الجبل، بل في أمان السفينة التي تسير بأمر الله.
فلنختر سفينة التوكّل؛ لا لأنّ العواصف ستختفي، بل لأنّ الثقة بالله تجعلنا نعبرها بسلام. وحين نُسلّم القيادة لمن بيده الأمر كلّه، نكتشف أنّ الطمأنينة لم تكن يومًا في السيطرة، بل في الإيمان.













