مقالات متنوعة
أخر الأخبار

دع الحياة تُعلِّم أبناءنا.. التربية بالنتائج الطبيعية

دع الحياة تُعلِّم أبناءنا.. التربية بالنتائج الطبيعية

بقلم: د. عبير عاطف

 

كثيرًا ما نظن أن التربية الجيدة تعني أن نكون مستعدين دائمًا بالعقوبات، وأن نصحح كل خطأ فور وقوعه، وأن نحمي أبناءنا من كل نتيجة غير مريحة.

فنطاردهم بالطعام، ونذكرهم بالواجبات، ونحل مشكلاتهم قبل أن يشعروا بها، ونعتقد أن هذا هو الحب، وأن تلك هي التربية. لكن الحقيقة أن الحياة نفسها تمتلك قدرة كبيرة على التعليم، وربما تكون بعض الدروس التي يتعلمها الطفل من تجاربه أكثر رسوخًا من عشرات النصائح. 

من هنا جاءت فكرة «التربية بالنتائج الطبيعية»، وهي أحد المبادئ التي تقوم عليها المدرسة الأدلرية في علم النفس، التي أسسها الطبيب وعالم النفس النمساوي “ألفريد أدلر“، ثم طورها تلميذه “رودولف درايكرز”، حيث تقوم على أن الطفل لا يحتاج إلى العقاب بقدر ما يحتاج إلى فهم نتائج أفعاله وتحمل المسؤولية.

فالهدف ليس أن نخيف الطفل أو نعاقبه، بل أن نساعده على إدراك أن لكل اختيار نتيجة، وأن الانضباط الحقيقي يأتي من الداخل لا من الخوف.

فالطفل الذي يرفض تناول طعامه، لا نطارده بالملعقة، بل نرفع الطعام بهدوء، وعندما يشعر بالجوع قبل الوجبة التالية يتعلم أن قراره له نتيجة طبيعية.

والطفل الذي يبعثر ألعابه، قد لا يجد ما يريد بسهولة، فيتعلم قيمة النظام وتحمل مسؤولية أشيائه.

أما المراهق الذي يؤجل واجباته أو مذاكرته، فقد يواجه نتيجة ذلك في المدرسة، فيدرك أن النجاح يحتاج إلى التزام لا إلى تأجيل.

والمراهقة التي تنفق مصروفها بسرعة، تتعلم الانتظار حتى موعد المصروف التالي، فتتعلم إدارة المال.

والشاب الذي يسهر على هاتفه حتى ساعات متأخرة، قد يعاني من التعب وضعف التركيز، فيفهم أن الحرية تحتاج إلى مسؤولية.

وكثير من الآباء يبالغون في مساعدة أبنائهم الجامعيين صباحًا، من إيقاظ وتجهيز، لكن تأخرهم أحيانًا قد يكون درسًا أكثر فاعلية من أي توجيه لفظي.

لكن هذا الأسلوب لا يعني أبدًا تعريض الأبناء للخطر أو تركهم في مواقف تهدد حياتهم بحجة أنهم سيتعلمون. فلا نسمح بعبث بالكهرباء، ولا باقتراب من النار، ولا بعبور الطريق وحدهم، ولا بأي سلوك قد يهدد السلامة. فهنا لا مكان للتجربة، لأن حماية الأبناء ليست خيارًا بل واجبًا أساسيًا.

كما أن التربية بالنتائج الطبيعية لا تعني السخرية أو قول: «ألم أقل لك؟» أو «تستاهل !»، بل الهدف هو التعلم دون إهانة أو لوم.

لقد كان “أدلر” يرى أن الإنسان يتعلم أفضل عندما يشعر أن الحياة نفسها تعلمه، لا أن الآخرين يعاقبونه. لذلك لا نحتاج دائمًا إلى العقاب، بل إلى مساحة تسمح للأبناء أن يختبروا نتائج اختياراتهم ويتعلموا منها.

فليست مهمتنا أن نمنع كل خطأ، بل أن نُحسن التعامل مع نتائجه.

د. عبير عاطف

دكتوراه في علم النفس التربوي، متخصصة في الإرشاد الأسري، وتتمتع بخبرة واسعة في التدريب الإعلامي والتنمية الذاتية، وتُكرَّم ضمن الشخصيات المؤثرة في الوطن العربي. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي