
هل نعيش حياتنا.. أم نؤدي دوراً في مسرحية كتبها الآخرون؟
بقلم: د. محمود عزمي
أحياناً لا تكون أصعب القرارات هي التي نتخذها.. بل تلك التي نتخلى عنها بصمت.
شاب يحمل شهادة بتقدير امتياز في تخصص لم يشعر يوماً بأنه يشبهه. يبتسم في صورة التخرج، بينما يتساءل في داخله: “كيف كانت ستبدو حياتي لو اخترت ما أحب؟”
موظف يستيقظ كل صباح متجهاً إلى وظيفة مستقرة، لكنه لا يشعر فيها بالرضا. لا يكره العمل، لكنه يخشى أن يغامر، ليس فقط بسبب الراتب، بل لأن السؤال الذي سيسمعه من الجميع حاضر في ذهنه: “كيف تترك وظيفة مضمونة؟”
وأسرة تنفق على حفل زفاف أكثر مما تسمح به إمكاناتها، ليس لأن الفرح يحتاج إلى كل ذلك، بل لأنهم لا يريدون أن يشعروا بأنهم أقل من غيرهم.
قد تبدو هذه القصص مختلفة، لكنها تدور حول سؤال واحد:
كم قراراً في حياتنا اتخذناه لأننا أردناه حقاً، وكم قراراً اتخذناه لأننا أردنا أن يبدو مقبولاً في نظر الآخرين؟
الاختبار الذي لا يحتاج إلى ورقة أو قلم
قبل أن تكمل القراءة، جرّب أن تسأل نفسك بصراحة:
لو لم يرَ أحد سيارتك.. هل كنت ستختارها نفسها؟
ولو لم يشاهد أحد صور رحلتك.. هل كنت ستسافر إلى المكان نفسه؟
ولو لم يعرف أحد طبيعة عملك.. هل كنت ستختار المهنة نفسها؟
قد تختلف الإجابات من شخص إلى آخر، لكنها تكشف حقيقة مهمة.
لسنا نتخذ جميع قراراتنا بدافع الحاجة أو القناعة فقط، بل يتأثر كثير منها بما نتوقعه من نظرة المجتمع إلينا.
وهذا أمر طبيعي إلى حد كبير. فالإنسان كائن اجتماعي، ومن الطبيعي أن يهتم برأي من حوله. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الاهتمام إلى المعيار الوحيد الذي نقيس به اختياراتنا.
المفارقة التي نعيشها كل يوم
ليست المشكلة أن جارك اشترى سيارة أفضل من سيارتك.
المشكلة أنك كنت راضياً عن سيارتك.. قبل خمس دقائق من رؤيتها.
لم يتغير ما تملكه.
الذي تغير هو نقطة المقارنة.
هذه الفكرة تناولها علم النفس والاقتصاد السلوكي مراراً؛ فالإنسان لا يقيّم كثيراً من الأشياء بمعزل عن الآخرين، بل يقارن نفسه بمن حوله باستمرار.
ولهذا قد يشعر شخصان يملكان الدخل نفسه بمستويين مختلفين تماماً من الرضا.
ليس لأن المال تغير…
بل لأن المقارنة تغيرت.
وهنا تبدأ دائرة لا تنتهي.
كلما اقتربت من الصورة التي يراها المجتمع “ناجحة”، ظهرت صورة جديدة تبدو أكثر نجاحاً.
فنستمر في الجري…
ولا نسأل أنفسنا إلى أين.
النجاح الذي لا يشعر صاحبه بالنجاح
ربما تصل إلى وظيفة يحلم بها كثيرون.
أو تمتلك منزلاً وسيارة وكل ما يعتبره الناس دليلاً على النجاح.
وقد يهنئك الجميع على ما وصلت إليه.
لكن يبقى سؤال لا يسمعه سواك:
“لو لم يكن هناك أحد يراقب حياتي… هل كنت سأختار الطريق نفسه؟”
هذا السؤال لا يدعو إلى رفض المجتمع، ولا إلى تجاهل النصيحة، بل يدعونا إلى التمييز بين أمرين مختلفين:
أن تستفيد من آراء الآخرين.
وأن تسمح لهم بكتابة تفاصيل حياتك.
الأولى حكمة.
أما الثانية، فقد تجعلك تحقق نجاحاً يراه الجميع، بينما لا تشعر به أنت.
الحقيقة التي ننسى تذكرها
من المفارقات أن معظم الناس الذين نخشى أحكامهم، يعيشون القلق نفسه.
كل واحد منهم يحاول أن يبدو ناجحاً أمام الآخرين.
وكل واحد يعتقد أن الجميع يراقبونه.
بينما الحقيقة أن معظم الناس منشغلون بحياتهم أكثر مما هم منشغلون بحياتنا.
ولهذا قد نقضي سنوات نطارد إعجاب جمهور لم يكن ينظر إلينا بالقدر الذي تخيلناه.
القرار الذي يستحق أن تتوقف عنده
قبل أن تتخذ قراراً يخص مستقبلك، أو عملك، أو أسرتك، أو حتى أسلوب حياتك، اسأل نفسك سؤالاً بسيطاً:
“لو لم يعرف أحد بهذا القرار… هل كنت سأختاره بالطريقة نفسها؟”
إذا كانت الإجابة نعم، فغالباً أنك تسير في طريق يشبهك.
أما إذا شعرت بالتردد، فربما يستحق الأمر أن تمنح نفسك وقتاً أطول للتفكير، لا لأن تعارض الناس، بل لأن تتأكد أن القرار يعبر عنك أنت.
في النهاية..
لن يعيش أحد نتائج قراراتك سواك.
وقد يمدح الناس اختياراتك اليوم، ثم ينسونها غداً.
أما أنت، فستعيش معها سنوات طويلة.
لذلك لا تجعل أكبر إنجاز في حياتك أن تنال إعجاب الآخرين.
واجعل إنجازك الحقيقي أن تنظر إلى حياتك بعد سنوات، وتستطيع أن تقول بهدوء:
“ربما لم تكن كل قراراتي مثالية… لكنها كانت قراراتي.”
















