
المحكمة
بقلم: وحيد علي الجمال
“وقفت على الرصيف المقابل أتأمل المبنى العتيق و أتذكر؛
كيف كنت أجري وأرتمي في أحضانه وأنا أشعر أني صغيرة، الآن ورغم مرور خمسين عاماً، مازلت أشعر أني صغيرة “.
وها أنا أمر عليه وقد رمى في طريقي آلاف الصور والذكريات التي اكاد أتعثر فيها
وتمنعني من الذهاب إلى المحكمة حتي أضع حدا للخلافات التي أصبحت تأكل في كبد حياتي
وحولتها إلى جحيم لا يطاق لقد ظللت منتظرة أمام قاعة المحكمة أصغي إلى حاجبها
وهو ينادي على أسماء الخصوم و أنا أسأل نفسي هل أصبحت أنا و هو خصوم
و عيوني زائغة تنظر يمنى ويسرى تتلهف قدومه و تخشي لقائه ،
أرتجف و أعرف أني أرتجف و كلما إقترب رقمي تبعثرت أجزائي وتحشرج صوتي عن النطق
ووجدت صعوبة في الكلام ماذا دهاني لماذا أنا هنا الآن ؟ أنا من أنا ؟
أسالني و أنا لا أجيب ، أنا لا أعرف لماذا أنا هنا الآن ! أجننتي أم على نفسك انقسمتي ،
هل تبررين أم أنك تتنصلين ؟ ألم تكوني أنتِ من قدمتي أوراق دعوي الإنفصال والطلاق ؟
نعم أنا. ألم يمكث الجميع في جدالك أياما أن لا تفعلي فضربتي بكلماتهم عرض الحائط و قلتي أنا أدرى بحالي لم يذق النار غيري والمرارة إلا أنا ألم تكن تلك كلماتك وهل حقا تنتظرين لقائه أم تخافين مواجهته الوقت يمر ببطىء بل هو أسرع من الريح المرسلة الناس علي باب القاعة أشكالها شاحبة و كلماتهم مختلفة حتى لغتهم أكاد أنكرها و لا أستوعبها فها هي إحدى الواقفات تسب و تلعن زوجها من ظلمه و قلة إنفاقه عليها وسوء معاملته لها وتطاوله المستمر عليها بالإهانة و التجريح بكلمات تخدش الحياء العام
و ما خفي كان أعظم، لكن زوجي لم يفعل ذلك فهو كالنسيم بل أرق لم ينطق كلمة أبدا في حقي إلا وكانت بلسم تداوي جراحي ، و تمسح دموعي و تزيل أي كرب قد سكن خلجات نفسي سخي كريم يكثر في عطائه فلو طلبت أمطرني و إن لم أطلب كان كالغيث يدهشني ، رقيق و عطوف ولين باسم الثغر مشرق الوجه وجيه الطلة له رهبة وهبها الله له ، يحتويك إذا نظر إليك لا ينطق إلا بكل جميل لم يعب طعام صنعته له أو يتأفف من لبس ، شاكر لا يترك فرضا في مسجد ولا واجب إلا و أداه ، رحمه لا يقطعها بعيده قريب و قريبه يملأ قلبه، سلامه يسبق كلامه ، تهابه الرجال و تعمل له ألف حساب إذا حدث سمع ،و إذا صمت وقر، ميسور الحال لكنه متواضع إلى درجة الشفقة مِن مَن لا يعرفه، الحب خلق ليكون هو بكل تفاصيله وذراته ، لا تكفي قصائد الشعر في وصفه و لا مناقب الرجال في خلقه.
لكنه قليل الكلام نادر الحديث له ضمة قلب تكفي العالم وماحوي لكنه لا يتكلم أشعر أني أنا وحدي من تزوج وغيري لم يكن له حظ ، لكنه لا يتكلم يسمع ويطيل السمع ولا يمل من الإستمرار في الإصغاء إليك مهما أرسلتي إليه بوابل من الانفعالات والنرفزه يصبر ولا يرد بل يعترف بخطأه ويعدني بأن يغير من طباعه التي حاول مرارا وتكرارا أن يغيرها ولم يفلح أنه الصمت الذي خيم على مفاصل حياتي حتي سكن جميع شقوقها فتعنكبت جميع أركان حياتها حتي شعرت بأنها مدينة أشباح مهجوره برغم مافيها لكنه دون روح أو حياه فكل تلك الصفات لا تكفي لإقامة حياة لها معنى ما هذا صوت زغاريد ودعوات بالحمد يخرج من داخل القاعة لقد هلل الجميع بالحمد وبعضهم سجد شكرا و أنا أحملق في الواقفين لعلي أعرف السبب وكنت على وشك سؤال إحدى الواقفات بجانبي أمام القاعة فقالت لقد أكرمها الله وقضي لها بالخلع ،
خلع ماذا يعني الخلع ( يعني يا أختي الراجل يأخذ كل شيء ويروح في ستين داهية وده حلال شرع يعني أيوه أنت مش في الدنيا ولا إيه خلع الواحدة فينا بتشتري نفسها ويغور في ألف داهية) لكن كل شيء هو موجود فيها ملابسي وجميع أجزائي شكلي و مشيتي وتسريحتي هو من يختار ملابسي وعطوري وأحذيتي هو مرآتي التي أنظر فيها لأصلح كل شيء أشعر أنه غير ملائم لطباعه فهو طباعي وكل حياتي ، حياتي وهل هناك حياة بدونه ؟
ماهذا رقم 39 رقم 39أنا هذا هو رقمي أيوه أنا دخلت مسرعة ماهذا النهجان الذي أصابني أنفاسي تتلاحق لا أستطيع التنفس بصورة طبيعية أكاد أن أخنق أنه موجود ويقف أمام المنصة من قبل دخولي لم ينظر إلي ولم يلقي علي أي تحية كما تعود أن يضمني إذا شاهدني يضمني بزراعيه أو بعينيه أو بوجهه الذي يشرق كالبدر لازالت ملامحه تبتسم وينظر إلي بلحظ عينيه ويظن أني لم اشاهده لقد تلاحقت خطواتي حتي التصقت به دون شعور وكاد الدوار أن ينال مني بالسقوط مد يده وأسند يدي ومالت أجزائي عليه نظر القاضي إلي وقال أنتِ المدعية فقلت لا أنا المذنبة التي طار عقلها ودعت زوجها إلى هذا المكان لتعترف أمامك أنه أعظم رجل في هذا العالم أرجوك أن تصدر عقوبتك علي أن جعلته يقف هذا الموقف لكنني أعلمك بأنه موقوف في قلبي وقف لا يجوز حله أو التنازل عنه لقد كانت تهزي ولا تدرك أنها أستاذة جامعية لها مكانتها لقد نسيت أنها في قاعة المحكمة وهي تغوص في أحضانه وتذوب في تفاصيله دون أي خجل ممن يحيطون بها لقد حملها بين ذراعيه وانهالت قاعة المحكمة بالتصفيق والتهليل من روعة ما قد شاهدوا حتي أن القاضي لم يتمالك نفسه فتساقطت دموعه أمام الحضور فرفع الجلسة إجلالاً للمتحابين
وحيد علي الجمال
جمهورية مصر العربية
سرس الليان محافظة المنوفية













