أدبيمقالات متنوعة
أخر الأخبار

(لعنة الفراشة)… حين تتحوّل الرهافة إلى فخٍّ نفسي مُحكم

(لعنة الفراشة)… حين تتحوّل الرهافة إلى فخٍّ نفسي مُحكم

بقلم: وفاء داري 

 

رواية “لعنة الفراشة” للكاتبة آية مصدّق ضمن إصدارات دار الرجوة للنشر والتوزيع لعام 2025، والتي تقع في ١٤٠ صفحة. عمل يزاوج بين التشويق النفسي والغموض الوجودي، ويستثمر عناصر الرمز والسرد المتشظّي ليقدّم تجربة قرائية تقوم على إرباك القارئ بقدر ما تدفعه إلى التورّط العاطفي والمعرفي في آن. الرواية تقع في حيّز متوسط يسمح بتكثيف الحدث دون ترهّل.

 

لعنة الفراشة

عتبة الغلاف: أيقونة الموت والتحوّل

يشكّل الغلاف عتبة دلالية شديدة الكثافة.. فراشة حمراء تتداخل مع جمجمة بشرية يتصاعد منها دخان أحمر في خلفية سوداء قاتمة. الفراشة هنا ليست رمز الجمال أو التحوّل فقط، بل رمز اللعنة ذاتها؛ الكائن الرقيق الذي يخفي في داخله موتًا متربّصًا.

الأحمر والأسود يحيلان إلى ثنائية( الحياة والموت، الشهوة والفناء، البراءة والجريمة). إنّه غلاف لا يجمّل الرواية، بل يفضح طبيعتها القاتمة منذ اللحظة الأولى، ويؤسّس نفسيًا لتلقّي نصّ مشحون بالتوتّر.

 

العنوان: اللعنة بوصفها قدرًا نفسيًا

“لعنة الفراشة” عنوان يقوم على المفارقة؛ الفراشة كرمز رهافة تتحوّل إلى أداة لعن. اللعنة هنا ليست حدثًا خارجيًا بقدر ما هي حالة نفسية قدرية تلاحق الشخصيات، وتتجلّى في تكرار الألم، والخيانة، والارتباك في إدراك الحقيقة.

 

الشخصيات وبنية الحضور

يارا، سليم، يحيى، سامر، نشأو جميعهم في ميتم. 

تتقدّم شخصيات الرواية بتركيب نفسي معقّد: يارا – هي ذاتها زمردة، سامر هو سليم، يحيى هو في الحقيقة يامن. ليست الشخصيات أدوات للحبكة بقدر ما هي بؤر للتشويش السردي.

يارا، على وجه الخصوص، تتحوّل إلى مركز للغموض؛ ضحية وفاعلة في الوقت نفسه، واعية ومشوَّشة، حاضرة وغائبة.

الشخصيات الذكورية (سامر، سليم، يحيى) تتوزّع بين أدوار الحامي والخائن واللغز، ما يجعل القارئ في حالة إعادة تقييم مستمر لمن يثق به.

 

الراوي: عليم أم متخفٍ؟

يبدو للوهلة الأولى أن الراوي عليم، لكن مع التقدّم في السرد يتبيّن أن هذه العلومية ليست مستقرة. ثمة انتقالات توحي أحيانًا براوٍ محدود المعرفة، بل ومضلِّل أحيانًا، وهو ما يخدم الطابع النفسي للرواية ويجعل القارئ شريكًا في الشك. هذا التذبذب بين الراوي العليم وغير الموثوق يُعدّ من التقنيات الذكية التي عزّزت عنصر التشويق.

 

مسار الرواية: خطّي يتقوّس إلى دائري

تسير الرواية في ظاهرها مسارًا خطيًا، لكن الأحداث والارتدادات النفسية تعيد القارئ إلى نقاط سابقة بفهم جديد، ما يمنحها طابعًا دائريًا من حيث التأويل لا من حيث الترتيب الزمني فقط. النهاية تعيدنا معنويًا إلى البداية: اللعنة لم تُكسر، بل تغيّر شكلها.

لعنة الفراشة

الأسلوب الأدبي واللغوي

لغة الرواية تميل إلى التكثيف العاطفي، والجُمل القصيرة المتوترة، والوصف المشهدي السينمائي. الكاتبة تعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى بناء المشهد بدل الشرح، وهو ما يخدم أجواء الغموض. غير أن هذا الأسلوب نفسه يتحوّل أحيانًا إلى مصدر تشتيت عندما تتراكم الصور دون رابط تفسيري واضح.

 

الثيمات والرسالة

أبرز ثيمات الرواية: الخيانة بوصفها قدراً نفسيًا. هشاشة الذاكرة والحقيقة. الهوية المزدوجة. الموت بوصفه تحوّلاً لا نهاية.

الرسالة الضمنية تشير إلى أن الإنسان قد يحمل لعنته داخله، وأن الحقيقة ليست دائماً ما نراه بل ما نخشى رؤيته.

الخطافات (Hooks) وبناء التشويق

من أبرز نقاط قوة الرواية بدايات الفصول؛ إذ تبدأ غالبًا بجملة صادمة أو سؤال مفتوح أو مشهد ناقص، يدفع القارئ إلى مواصلة القراءة. هذه التقنية خدمت الرواية بقوة في الحفاظ على الإيقاع التشويقي.

 

ملاحظات نقدية على السرد

رغم قوة البناء العام، تظهر بعض الثغرات التي تُربك القارئ دون قصد فني واضح، ومنها: في ص 135: عند تعرّض يارا لطلقة سامر، يُذكر أن رصاصة أخرى اخترقت جمجمة سامر، ويُعلن عن يامن بعبارة “غادرت الروح جسده”، ما يوحي بتعدد الإصابات والضحايا في اللحظة نفسها دون وضوح دقيق لتسلسل الحدث.

 في ص 137: بعد استيقاظ يارا في المشفى، يُذكر أن سليم كان بجانبها معافى ويجيبها عن يحيى، رغم ما سبق من إشارات تُربك وضعه الصحي وسياقه الزمني. وقبل ذلك كيف تمكنت يارا( زمردة) أن تصبح طبيبة وهي كانت في صغرها يتيمة في دار الأيتام، حيث هناك فجوه في توضيح أين ذهبت وكبرت بعد هروبها في طفولتها من المتيم بعد ان قُتل صاحب الميتم، وكذلك سليم كيف أصبح محقق. بينما تم توضيح ان يحيى أصبح ضمن العصابات.  

 

هذه النقاط توحي بارتباك سردي غير محسوب، أو على الأقل بحاجة إلى ضبط أوضح في الربط الزمني والمنطقي للأحداث.

 

النهاية: إجابة أم تعميق للغموض؟

النهاية لا تقدّم إجابات بقدر ما تعمّق الغموض، لكنها تفعل ذلك بانسجام مع روح الرواية. قد يشعر بعض القرّاء بعدم الإشباع، لكن من منظور فني، فإن النهاية تحافظ على فلسفة النص: اللعنة لا تنتهي، بل تُعاد صياغتها.

بكلمات أخرى “لعنة الفراشة” ليست رواية تُقرأ بحثًا عن الحقيقة، بل تُقرأ لاختبار هشاشة الحقيقة ذاتها. هي نصّ عن الإنسان حين يفقد يقينه، وحين تتحوّل ذاكرته إلى ساحة شك.

قد تتعثّر الرواية أحيانًا في ضبط خيوطها، لكنها تنجح في ما هو أهم: أن تترك القارئ في حالة قلق فكري طويل بعد إغلاق الصفحة الأخيرة. وذلك، في الأدب، علامة حياة لا علامة نقص.

وفاء داري

وفاء داري، كاتبة وباحثة فلسطينية، متخصصة في اللغة العربية وآدابها، حاصلة على مرتبة الشرف في الدراسات العليا، وعضو فاعل في أندية ثقافية عربية وعالمية. نشرت مقالات ودراسات أدبية في مجلات دولية محكّمة، ولها عدة مؤلفات أدبية. تهتم بالكتابة النقدية والمقال الأدبي والحوارات الثقافية، كاتبة صحفية بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي