
التجربة الفنلندية في التعليم
بقلم: مصطفى نصر
* أول سؤال نركز عليه في هذا المقال هو: لماذا نركز على التجربة الفنلندية في التعليم؟
– والإجابة لأن فنلندا حازت على المرتبة الأولى في جودة التعليم منذ العام 2000 إلى العام 2024 أكثر من عشر مرات، كأفضل دولة ذات جودة تعليم على مستوى الاتحاد الأوربي، وصنفت في العام ٢٠٢٤م الأولى في معايير جودة التعليم عالمياً حسب تصنيف منظمة التعاون الاقتصادي العالمية OECD المنظمة التي تعتني بتحسين جودة السياسات في كافة الجوانب عالمياً منذ ستين عاما.
ويتوقع الخبراء التربويين أن تنال نفس هذا التصنيف للمرة الثانية للعام ٢٠٢٥ بفضل سياستها الجديدة التي جعلت مهنة المعلم ذات أعلى دخل في البلاد، وجعلت الحصول على درجة الماجستير في التربية وطرق التدريس شرطاً لأي معلم في المرحلة الابتدائية خاصة، وهي مرحلة البناء المعرفي التأسيسي للطالب، والتي بناءً على نجاحها في غرس الفهم الجيد للغة والقراءة والكتابة السليمة في عقل الطالب، ضمانة لنجاح وتفوق الطالب في المراحل الأعلى.
* ما هي الوصفة التي نالت بها المقدمة؟
وبناء على ما تقدم يظل القارئ العزيز على شوق كبير لمعرفة المواصفات والعوامل التي جعلت فنلندا في قمة جودة التعليم عالمياً، ولعل السر الكبير لهذا التفوق هو توصل كبار التربويين في هذه البلاد بقيادة أبو التعليم في فنلندا البروفيسور باسي سهلبيرج، الذين يعود لهم الفضل في أن جعلوا التعليم يحتل المرتبة الأولى عالمياً.
ولعل أهم نقاط القوة التي تُميِّز نظام التعليم في فنلندا تتمثل في قدرته على ضمان نفس فرص التعليم للجميع، بغض النظر عن الخلفية الاجتماعية أو الاقتصادية، والبيئة الحضرية والريفية، فبدلاً من التنافس والمقارنات، تركز المدرسة بوجه عام على دعم الطلاب وإرشادهم على تطوير المستوى الفرديّ.
كما أن من العوامل الهامة العناية بالمعلم، وجعله في حالة تدريب سنوياً ليواكب كل جديد في تقنيات التربية والتدريس، فالتأهيل المستمر للمعلم، ووفرة دخله التي تغنيه عن طاحونة الدروس الخصوصية التي تستهلك طاقته، جعلت المعلم مواكباً للأحدث دائماً.
كما عالجوا أيضاً ما أسموه بجرثومات التعليم فركزوا على كثرة المناهج الدراسية ومشكلة الشنطة المدرسية التي تحني ظهر الطالب وهو في عز شبابه، بكثرة ما يحمل من الكتب والدفاتر، فألغوا الكتاب الورقي في التعليم، واستبدلوه بالتاب، إذ أن في جهاز واحد يقل وزنه عن 500 جرام، أي أقل من حمولة كتاب مدرسي واحد، يوجد في شنطة الطالب التاب، وتحمّل على التاب كل الكتب وأوراق العمل وامتحانات السنوات السابقة التجريبية، للمراجعة وترسيخ الدروس.
كما عالجوا مشكلة استطالة ساعات الدوام، فجعلوا حد اليوم الدراسي حتى الواحدة ظهراً بدلا من الساعة الرابعة فيما مضى، وعالجوا الواجبات، وجعلوا الواجبات المنزلية خفيفة، يمكن الانتهاء منها في نفس زمن الحصة البالغ 45 دقيقة.

وتبسيط المواد وتنقيتها من الحشو الزائد من المعلومات التي لا تفيد الطالب في حياته اليومية وواقعة أبداً، فلماذا تكون بالمناهج الظاء والظتا وجيب الزاوية والجدول الدوري التي لن تفيده بشئ في حياته فيما بعد مغادرة المدرسة، وتخلو الدروس من الأمور الضرورية مثل القيم المفيدة لمعاشه وطرق التعامل مع الناس، وكيف يفتح حساباً مصرفياً، وما هي حقوقه وواجباته في الوطن الذي ينتمي له.
ونقوا المنهج من كل ما فيه تلقين مباشر وحفظ، وجردوا المنهج من كل ما يؤدي لقتل الفضول وقمع الأسئلة والحوار مما يجعل الطلاب يحفظون من غير فهم.
كما عدلوا من وسائل التقييم فلم يعد بعبع الامتحانات يسيطر على العقول، بعد ابتكار وسائل جديدة للتقييم والتقويم من بينها درجات مساهمة الطالب في خدمة المجتمع بتخصيص ساعات لمساعدة عمال النظافة أو رجال الشرطة في ضبط الطريق أو الكوادر الطبية في المراكز الطبية والمستشفيات والإسعافات الأولية.
ختاماً..
بهذه الوصفة السحرية عزيزي القارئ وقفت فنلندا على قمة جودة التعليم عالمياً، ووفرت لطلابها وقتاً غالياً وثميناً، كانوا يهدرونه في الواجبات المدرسية المطولة، والتنقل المرهق بين السناتر لتلقي الدروس الخصوصية، فحققوا السبق على العالمين.














