ما يحدث من هدم للإنسانية وقتل وتشتيت للبشر هذه الآونة ما هو إلا آفة تدمير؛ فمنهم من يقتل بالسلاح وآخر يقتل بالمرض وثالث يقتل بضياع الأخلاق والقيم وآخر بالحث على الفسق وقلة الأدب ونشر الرذيلة بين الشعوب.
وآخرون -وهم أشد فتكا بالبشر-
يتظاهرون بالحب للبشر والإنسانية وبأنهم للمستقبل لهم داعمون وصانعون فيغسلون عقولهم وهم لهم مدمرون، يتظاهرون بالعمل لمستقبلهم وهم لأجيالهم قاتلون، ويتظاهرون أنهم لدينهم داعمون وهم في الحقيقة خائنون، وضعوا شعوبهم تحت مطرقة الأوهام واللهو والوعود والأفعال الضالة والمضيعة للأوطان والشعوب.
إن من يضع الإنسان في بوتقة جوع وفقر وجهل ومرض وغش وكذب ونصب وبطالة وخوف وأنانية، هذا الإنسان لا يرجى منه منفعة لنفسه ولا لأهله ولا لوطنه ولا لأولاده، فيكد الكبار لسد رمق جوع أولادهم دون مراعاة باقي الأمور، ولسد رمق الجوع بأي شيء حتى لو بأوراق الشجر لغلو الأشياء وعدم المقدرة للحصول على الأغذية المناسبة لبناء الإنسان.
أدى هذا العجز عن تلبية الاحتياجات إلى ضياع هيبة الآباء أمام الأبناء وضياع احترام الأبناء للآباء لعدم مقدرة الآباء على تلبية حاجياتهم فتضيع الرهبة وتنحل الأخلاق، ثم ينتج جيل نشأ وتربى على سوء التغذية فينمو نموًا سيئًا لا يحتمل أن يكون إنسان سوي قادر على بناء نفسه أو وطنه.
وقد يكون هذا هو المطلوب أن ينتج بشر معدمين غير منتجين ولا قادرين عن الدفاع عن أنفسهم وأوطانهم، فيصبحوا لقمة سائغة لأعدائهم الذين وضعوهم أمام هذا الحد من الضياع، فكيف يكون حال إنسان وهو منذ ولادته لم يأخذ وجبة صحية سليمة أو يأخذ جسمه مكونات غذائية لازمة لنموه جسديًا وعقليًا وفكريًا وصحيًا، إنسان عاش كل حياته يأكل لسد الجوع فقط سواء من الأهل أو من خشاش الأرض فيكون إنسان ضائع جسديًا وفكريًا وعلميًا وصحيًا، لا يرجى منه شيء أو يمكن الاعتماد عليه، علاوة على أنه قد يصاب بالاكتئاب والأمراض النفسية من شدة الحرمان والعيش دون تطلعات لأحلامه وطرق سعادته.
وإذا ما تم هدم الإنسان الذي هو أهم من البنيان سيتم هدم المجتمع، وبالتالي ستنهدم الدول بكل بساطة، فماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه؟
فالإنسان هو المبدع وهو العالم وهو الحرفي وهو دينامو الحياة، كل ما في الكون مسخر بأمر الله للإنسان
وليس الإنسان مسخر للأشياء، فالبوصلة الطبيعية قد انحرفت 180 درجة عن الحقيقة وأصبح الاهتمام بالأشياء والبنايات والطرق والأبراج والملاهي والسواحل والشواطئ، قد يكون هذا مطلوب ولكن لراحة الإنسان وسعادته وليس لشقائه وتعاسته ومرضه وإهماله وجوعه وهي الاحتياجات الأساسية حتى يعيش.
ومن هنا، ننادي ببناء الإنسان أولا منذ ولادته حتى نهايته تغذية وصحة وتعليم وفكر وراحة بال حتى يكون إنسان قادر على العطاء والبناء والابتكار والتقدم والازدهار فتأتي بقية الأشياء لتكملة حياته وإسعاده، فالأمم تبنى بسواعد أبنائها وأخلاق رجالها وعلمائها الأصحاء الأتقياء من هم قلوبهم ممتلئة بالإيمان والحب للأوطان.