
أَوَّاب
“مافيش بكرة”
بقلم:ولاء البهنساوي
(أوَّاب)
كان شابّاً قوياً وسيمًا ذكيًّا أنيقًا، لكنه كان مُتأثرًا بأخلاقِ جيله، من عِصيانٍ وَرَفــعٍ للصَّــوتِ على والدتِهِ،
وخاصّةً وأنّه في سِنِّ المُراهقةِ، لَمْ يَكُنْ يُحسنُ التَّمرُدَ إلَّا عليها،
مَنْ حَمَلَتْ وَحَلُمَتْ وَدَعَتْ وَربَّتْ وَصبرت وأحبّتْ وسعدَتْ بهِ..
لكنْ بئسَ العقوقُ والجحودُ..!
أَوَّاب كان اسمًا على مُسمَّى، كان أوَّابًا حقًا.. عندما يخطئُ في حقّها، سرعانَ ما يندمُ ويعتذرُ..
لكنَّهُ في الفترةِ الأخيرةِ أصابهُ فتورٌ في إيمانِهِ، رُبَّما بسببِ صحبةِ السُّوءِ..
فَلَمْ يَعدُ يُسارعُ في الاعتذارِ كما كانَ يفعلُ سابقًا.. لقد ذبلتْ زهورُ النَّدمِ في قلبهِ..
بئسَ صحبةُ السوءِ..!
ذاتَ يومٍ أَخطأ في حقِّها ثمَّ خرجَ ولَمْ يسارعْ كعادتهِ في الاعتذارِ..
خرجَ ولَمْ يعدْ تلكَ الليلة، أجبرتهُ الظروفُ علي المبيتِ خارجَ المنزلِ،
لكن كعادةِ الأوَّابينَ نبتتْ بذورُ النَّدمِ في قلبهِ، فاتَّصلَ بها نادمًا معتذرًا،
لَمْ يكنْ الاعتذارُ القوليّ كافياً لها ولا له، لكنَّها (أمّ)، قالت له: نعم يا ولدي، لا عليكَ..
قال لها: سأتيكِ غدًا لأقَبِّل يدَيك وقَدَمَيكِ..
قَالتْ بابتسامةٍ حزينةٍ: (مافيش بكرة)..
لَمْ يسمعْها جيدًا..
فقال: ماذا يا أمي؟!
قالت: لا عليكَ، لا تشغلْ بالكَ يا بُنيّ.. مع السلامة..
لكن سمعها ولدُها الآخرُ (عبدُ اللَّهِ).. ماذا كنتِ تقصدين يا أمِّي بـ (مافيش بكرة)؟
قالت مبتسمةً: لا شئ يا بُنيّ..
خافَ عليها عبد اللَّهِ وشعرَ بالقلقِ الشديدِ عليها،
فقالَ لها مازحًا: ما رأيكِ أنْ أنامَ بين أحضانكِ الليلة،
فأنا لَمْ أنمْ بينَ أحضانكِ منذُ (وهو يعدُّ على أصابعِهِ) عشرِ سنواتٍ..
ردت أمُّهُ ضاحكةً: موافقةٌ يا حبيبي..
نام عبدُ اللَّهِ هذه الليلة بجانبها، لكنَّهُ لَمْ يشعرْ بشيءٍ حتي رنَّ منبِّهُ هاتفِها لصلاةِ الفجرِ ولكنَّها لَمْ تستيقظْ بسرعةٍ كعادتِها،
فقامَ فزعًا يحرِّكُها، يوقظُها، لكن لا حراك، ولا يقظة، أصابهُ الذهولُ وتذكَّرَ كلمتَها (مافيش بكرة)..
احتضنها بشدة باكيًا وصارخًا، فهو أصغرُ أبنائِها، ولَمْ يتوقعْ فراقَها فجأةً بدونِ أسبابٍ، فقد كانت سليمةً ومعافاة..!!
هناكَ عندَ (أوّاب)..
رنَّ هاتفُهُ ليخبرهُ أخوهُ عبدُ اللَّهِ برحيلِ أمه.. لمْ يتحملْ أوَّابُ الصدمةَ: كنتُ سآتيها اليوم،
كنت سأعتذرُ واللَّهِ، كنتُ سأحضرُ لها هديةً، كنتُ وكنتُ وكنتُ، لكن فات الأوانُ.!
لم يخرجْ أوابُ من هذه الصدمةِ سليماً، كان يذهبُ إلى الجامعةِ ويكتبُ علي الجدرانِ وعلي السبورات بخطوطٍ عريضةٍ (مافيش بكرة)
حتى قُدِّمتْ فيه شكوى إلى الأساتذة، وتم استدعاؤه للتحقيق معه،
وما أن بدأ التحقيقُ معه حتى بكى بكاءًا مريرًا كالطفلِ الصغيرِ:
(أمي ماتت، أحتاج أمي، لم أشبع منها، لم أسترضها، لم أعتذر لها كما ينبغي)..
أشفقَ عليه أساتذتُهُ فطلبوا تحويلهُ لطبيب نفسيّ..
(عند الطبيب النفسيّ)..
سمع الطبيبُ حكايتَهُ، وعرفَ مُشكلتَهُ..
قال الطبيبُ: أتريدُ أن تسترضيَ أمك؟
قال أوَّابُ باكياً: نعم.
قال الطبيبُ: عندي الحلُّ.
قال أوَّابُ: ما هو؟
قال الطبيبُ: تَعلَّمْ القرآن واعملْ بهِ واحفظْهُ لتُلبسَ أمَّكَ تاج الوقار..
قال رسول الله ﷺ: “مَنْ قرأَ القرآنَ وتعلَّمَ وعملَ به أُلبسَ والداهُ يومَ القيامةِ تاجاً من نورٍ ضوؤهُ مثلُ ضوءِ الشمسِ،
ويُكسى والداهُ حُلَّتينِ لا تقومُ لهما الدُنيا فيقولانِ: بمَ كُسينا هذا؟ فيقالُ: بأخذِ ولدِكما القرآنَ”.
قَالَ أَوَّابُ: أَحقّاً قالَ هذا رسولُ اللَّهِ ﷺ؟
الطَبيبُ: نعم يا أوَّاب.
انصرفَ أوَّابُ فرحاً راضياً مسروراً، عازمًا على حفظِ كتابِ اللَّهِ والعملِ به،
برًا بأمه قبلَ كلِّ شئٍ لعلَّهُ ينالُ رِضا اللَّهِ فيرضِّيها اللَّهُ عنهُ يومَ القيامةِ..
انكبَّ على كتاب اللَّهِ صباحَ مساءَ، يتلو آياتِهِ ويَتَعلَّمُ تأويلَها ويَحفَظُها،
ويُسَمِّعُها علي شيخهِ، ويا ويل ساعاتهِ وأيَّامهِ إنْ غابَ الشَّيخُ عنهُ يومًا،
إلى أنْ أتمَّ اللَّهُ عليه نعمتَهُ بحفظِ كتابِهِ..
وهنا باركَ لهُ شيخُهُ وقالَ: هنيئًا لوالديْكَ يَا أَوَّابُ تاجَ الوقارِ..
فانكبَّ أوَّابُ باكياً ومُقَبِّلاً يدَ شيخهِ.. تعجَّبَ الشَّيخُ مِنْ فرطِ بُكائهِ ونشيجهِ، فهو لا يعلمُ!!
قال الشيخُ: اعلمْ يا بُنيّ أنَّ لحافظِ القرآنِ مكانةً كبيرةً عندَ اللَّهِ تَعَالَىٰ وبين الناس،
لا في الآخِرَةِ فقط، وإنَّمَا في الدنيا أيضاً، فهو الإمامُ المُقدمُ في الصَّلاةِ،
وإجلالهُ مِنْ إجلالِ اللَّهِ تعالى، كما أنَّهُ المُقَدَّمُ في الدَّفنِ إذا كانَ سيُدفنُ معهُ غيره،
القرآنُ أنيسهُ في قبرِهِ، وقائدُهُ في محشرِهِ، ومُؤمِّنُهُ يومَ الفزعِ،
ومثبّتُهُ علي الصِّراطِ، وموجههُ إلى الجنَّةِ بإذنِ اللَّهِ تعالىٰ..
مرَّتِ الأيامُ والأعوامُ، ومازال أوَّابُ مصاحباً لكتاب اللَِّهِ، تزوَّجَ ورزقهُ اللَّهُ الذريةَ..
وفي ليلةٍ من اللَّيالي رأى أمَّهُ في رُؤيا، واستيقظَ مبتهجًا، وقصَّ علي زوجتهِ الرُّؤيا فبكَتْ.
.
“رأيتُ أُمِّي مُضيئةَ الوجهِ، باسمةَ الثَّغرِ، صافيةَ اللَّونِ، كحيلةَ العينِ، وطيبةَ الرَّائحةِ..
ممسكةً بتاجٍ مِن نورٍ!!
فقلتُ لها: البسيه يا أمي، يبدو أنَّ هذا التاج هو هديَّتي لكِ، فقد تعلَّمتُ القرآنَ وحفظتُهُ برّاً بكِ،
واعتذارًا عمَّا مضىٰ!
قالت أمِّي: لا أستطيعُ، أنتَ من سَتُلبِسنِيهِ يا ولدي.
سألتُها متعجبًا: كيف؟ ومتى؟
قالت: (مافيش بكرة ـكرة ـكرة ـكرة) ثُمَّ ابتسمَتْ وانصرفَتْ..
خافت زوجتي واطمأننتُ أنا، حزنت زوجتي وفرحتُ أنا..
أخبرتُها أني سأتسَحَّرُ لأنَّني نويتُ أنْ أُصبحَ صائماً بإذنِ اللَّهِ …
لَمْ ننمْ تلك الليلة.. “
تقولُ زوجتُهُ: قام وتسحَّرَ وتوضَّأَ وتعطَّرَ ليُصلي ركعتينِ قبلَ الفجرِ، وعلى غيرِ عادتهِ دخلَ وقَبَّلَ أطفالَهُ قبلَ القيامِ، ثمَّ قَبَّلنِي، ثمَّ كبَّر ودخلَ في الصَّلاةِ..
جلستُ بجانبهِ أدعو اللَّهَ مرتجفةً باكيةً أنْ يكونَ تأويلُهُ للرؤيا خاطئًا وأنْ تكونَ مجردَ أضغاثِ أحلامٍ..
لكنَّهُ سجدَ وأطالَ السجودَ حتَّى أذَّنَ الفجرُ، فزادَ ارتجافي، لَمْ أستطعْ الكلام ولا الحركة،
وكأنَّ أطرافي شُلَّتْ، ولَمْ أَكُنْ أرددُ – بذهول وعينين شاخصتينِ – إلَّا: (مافيش بكرة ـكرة ـكرة ـكرة)
وأسمعُ صدى صوتي وأرى حبيبي سعيدًا يُلبسُ أمَّهُ تاجَ الوقارِ..
وَلَائيَّاتٌ













