أدبي

جِرْمٌ صَغِير

وقت النشر : 2021/12/06 02:21:54 AM
جِرْمٌ صَغِير
بقلم: إسراء جمال
تهتزُ يداك فتسقُط صينية الأكواب مُتهشِّمةٍ لفُتات لا تقدرُ عينُك على تمييزه، ورغمَ ذلك تتحاملُ على نفسك فتميل لالتقاطِها، ويثور عليك ألم كل مفصلٍ بجسدِك، فتتلوى مُحاوِلًا الثَّبات، ثمَّ تسقُط وتحتضنُ قدماكَ الزُّجاج كعادتِها، فتسيلُ دماؤك كنهرٍ صغير، ثمَّ تنظُر للمشهد حولك بعينين نصف مفتوحتين، وتشرع في البكاء الصامت، الذي حثَّك عليه ألمُ حنجرتك المُصاحِب لك منذُ أيَّام، فتسمح أخيرًا لدمعك المكتوم – خشيةً الانهيار- بالتحرُّر.
أنتَ الآن شابٌ بائس، عليل، يبكي بأرضِية الصَّالون، ويكتمُ أنينه بيده، خِشية أن يُسمع لبكائِه صوتٌ فيفزع أحد.
يُفسَح لضجيج عقلك المشهد، فيُنسيك كلَّ ذلِك، جالبًا كل فكرةٍ قاتمة نحرَت روَحك مؤخرًا، ولا تملكُ أنت إلا الاستسلام، وتنهشُكَ كلُّها دفعةً واحِدة لتُخبِركَ أنَّ الرَّحيل حان.
وبعد أعوامٍ وهمية من المُحاولة ترفعُ يديك برغبةٍ يتيمة أن تقدِر أصابِعُك الهشَّة على نُصرتِك، وطبعًا تستمرُّ بالمُحاولة آلاف المرَّات حتى يشفق عليك المسندُ الحنون، فيتمسَّكُ هو بك.
عيناكَ على مدخلِ الحُجرة وشيءٌ قذرٌ آخر يجعلُك تسترجعُ كلَّ لحظاتِ الوعود، وجُثث أملِك المُفرِطة، وكلَّ ابتساماتِهم بوجهك قبلَ ما نِلتَ من طعنات، لحسنِ الحظّ فالترمومتر مُلقىً على السَّرير توقُّعًا منك للأزمة، ولسوء طالِعك فجراحُ روحِك وجسدِك منذُ ولادتِك تنزِف، وها أنت تضغطُ على كلِّ شبرٍ فيك من جديد، وتقومُ فيسعد الزُّجاج بالتهامِ جلدك، وأخيرًا تعبرُ مسافتَك الصَّغيرة حتى تصِل للسَّرير..
يجري ريقُك عند رؤية كوب الماء البلاستيكي على الطَّاولة، فترفعُ يديكَ وتلتقِطه وتقول لنفسِك بصوتٍ لا يصلُ لطَبلتي الأذُن؛ أخيرًا انتصَرت، ولكن الكوب يسقُط لتترجَّى لسانَك وعظامَ رقبتِك وظهرك أن يُساعِداك، وبعد أصواتِ الطَّرقعة ولسانِك المشدود تصلُك قطرةُ ماءٍ باردة وتسقطَ أرضًا بفعلِ ثقلِ دماغك، ويغيبُ وعيُكَ عن الدُّنيا.
ترى بعينِ روحِكَ وعقلِك خذلانًا تلو الآخر، صفعةً تلو الأخرى، أوَّل مرٍّة أسقطتك آلام رُكبَتِك، كلَّ مرةٍ تركتَ نفسك لشعور الأمان، وسقطت بعدَها في جُبٍّ أعمق، ورغم ذلِك حاولت، هنا تعُود نبضاتُ قلبِك للاضطراب لذِكرى الخُذلان الأخير، لقهرِ إصابتِك بسهمٍ من أكثر موضعٍ آمنٍ لديك، فترثي كل دمعةٍ وكلمة، وتتوقَّف عند وجعِ الوعدِ الأخير واليومِ الأخير، ويلوح خيال صاحبه أمامك لينطقه من جديد، فتغيبَ هذه المرَّة للأبد..
حين يستيقظون بعد ساعات يستقبلون جثَّتك فيوصلونها للسرير الخشن، يُهاتِفون الطَّبيب وتُقبِّل أمُّك جبينك ناعِيةً اهتراءَ حظِّك وطولَ صبرِك، بمجرَّد وصول الطَّبيب يفحصُك ببرود، ويتلقَّى هاتِفكُ اتصالًا من أحدهم، فيلتقطه صديقك الذي تواعدتُما على اللِّقاء منذ ساعات ليُسمع نواح أُمَّك – التي طالمَا دعت ألا يفجعها الله فيك- وخبر الطَّبيب:
– لقد مات، الأمر بسيط، حرارة قدرُها تسعة وثلاثين درجة، وأزمةً قلبية عابرة كان يمكِنُ تفاديهَا..
أثناء نقلِك يجدون وريقةً تحت وسادتك كُتِب عليها بخطٍ واهن وميلٍ واضح ( لا أرِيدُ أن أموتَ وحيدًا)
جِرْمٌ صَغِير

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى