أدبي

عالم العتمة

وقت النشر : 2021/12/07 04:04:26 AM

عالم العتمة

بقلم: سماح رشاد

 

كل ليلة أستلقي على سريري، أغلق كل مصدر يصل منه ضوء إليها من نافذة أو باب أوهاتف لأختلي بالعتمة وبي وبالخيال.

 

الخيال عوالم ومجرات، حقول وصحراء، بنايات شاهقة وخيمات، مشاعر تمشي على أطراف عقول تمشي على حبال سيرك الأفكار، كل شيء هو وكل لا شيء هو، حقيقة وخدعة، ملموس وسرابي، خالد وفان، الخلوة معه تقارع الجنون والقوانين والفراغ.

 

هناك دائما أذرع مشرعة ممددة كجناحاين، عيون معلقة بالفراغ. هل هناك وسادة؟ لا، هل هناك سرير؟ يقينًا لا، ماذا هنالك إذن؟

أنفاس مضطربة، سعيدة، متوجسة، لا ألم، لا وزن، لا جاذبية، أنا والفراغ والعوالم ورائحة الياسمين، ورائحة عناق جدي وطعام جدتي، وأريج ضحكة أمي، وسلفادور المجنون وشاربه الأكثر جنونًا.

 

ومضات نور صفراء من ألف منارة تضيء، تشبه لحد ما مصابيح روبانزل، وهناك أنا بزاوية ومعي حقيبة مدرستي الجلدية، أمزح مع الجميلة بطعم اللطف ميرڤت، بزاوية أخرى مع عزيز نُطل من الدور العشرين ببرج إيڤل، المغفل أراد سرقة قلبي وقد فعل، وتبًا لسارق خاذل بالمستقبل، زاوية أخرى بها صوت إذاعي شهير يقول ( كان لي صديق فليسوف بأقوال الحكماء شغوف) كل الزوايا المائة والألف و… بها مشهد حدث، وآخر أحلم به، وآخر ألّفته بمكان ما بعقلي ورصدته كحقيقة حدثت، العقل يفعل بأفكارنا الراكدة الأفاعيل، هكذا قال دين بِريت بكتابه (العقل الأبْله) هكذا يتحكم بكل شيء.

 

ثم يأتي وقت الأفعوانيات والطيران والنهار وشمسه الباردة، نعم الباردة، شمس عالم العتمة بيضاء تميل لصفرة قليلة، أمد يدي أحركها بحركة تراقص أشعتها الباردة، أدور دورات تحتها مثل درويشة متيمة، عاشقة، عُذرية تتخيل، تعيش الخيال حقيقة، تعيش المدينة الفاضلة.

 

ثم يأتي وقت ركوب فقاعات الصابون كبيرة الحجم رائعة الألوان، لا أحد يسأل كيف تحملك، لا يوجد جواب غير أنها تفعل وفقط، بل وتتحمل لمساتي الطفولية لمحاولة فرقعتها، ولأني أثق أنها تؤمن بإيماني بها فلن تخذلني فيها، ترتفع وترتفع. منبهرة أنا، مندهشة كل مرة رغم عدد المرات الكثير الذي لا أتذكر أصفارها من تلك الجولات في هذه العتمة، لكني دائما كوليدٍ جديد يتعرف على عالمه

 

كل كائناتي تعزف الموسيقى، ليست هناك أية آلات للعزف، لكنهم يعزفون، لا أعرف الكيفية، لكني أسمع موسيقاهم التي تقول بنغم ساحر متواتر كل ليلة “كل الولاء لكِ غسق” غسق اسمي هناك بعالم العتمة، عالم سريري الدافئ، وعقلي الهائم.

 

حواسي هناك ليست كحواسكم، هناك أشم بعيني مع النظر، أتذوق بيدي مع فمي، ألمس بعقلي قبل يدي، أطير بقلبي لا بأجنحتي، نعم لي هناك أجنحة، لكني أفضل الفقاعة وإلقاء السلام على جيراني أصحاب الفقاعات المجاورة، لا أحب أن أكون وحدي أستمتع بعالم العتمة، لكن لا قرب، لا نظرات قريبة، لا حديث للكلمات المسموعة، ما أجمل هزّ الرأس والهمهمات غير المفهومة، نتخاطر أحيانا، لكني لا أحب ذلك، فأقوم بالتشويش عليهم. هناك لا نمرض، لا نكذب، لا نحسد، هناك نكاد نكون ملائكة، لكننا لسنا كذلك، نحن بشر، بشر هكذا خلقنا!

 

سأخبركم بآخر أسرار عالم العتمة، سافرت بالعوالم السابقة، ونقلت كل المكتبات هنا، كلها، وكل التي حاولوا حرقها أو حرقوها، قمت بإنقاذها، لذا لكل من يقرأ عالمي دعوة لزيارته وأيضا لأي مكتبة تحبون، لا تقلقوا هناك قهوة وحلوى ومطر وصوت فيروز، فمن يريد أن يستلم دعوته الآن؟!

زر الذهاب إلى الأعلى