ثقافة

صاحب السر

صاحب السر

كتبت: دنيا الحداد

جاء الحياة مزودا بطبيعة فريدة تتسم ببغض النفاق، رجل عرف عنه أن النفاق عدوه اللدود والصدق صاحبه المقرب إلى قلبه، أمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم على سر عظيم، كان لقبه صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم هو حذيفة بن اليمان.

 

نسبه وإسلامه:

أبوه هو الصحابي الجليل اليمان حسيل بن جابر، أمه الرباب بنت كعب الأشهلية، كان أبوه قد قتل رجلاً فهرب إلى يثرب بسبب طلب الثأر، وأطلق عليه لقب اليمان حيث أنه حالف اليمانية وهم الأنصار، وتزوج من بني عبد الاشهل.

وعندما أعلن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم دعوته الإسلامية في مكة، جاء اليمان مع أهل يثرب من الأوس والخزرج وبايعوه، ولم يكن حذيفة رضي الله عنه معه ولكنه أسلم قبل مشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عندما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يثرب سأله حذيفة هل أنا من الأنصار أم من المهاجرين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت من المهاجرين وإن شئت من الأنصار، قال حذيفة: إذن أنا أنصاري.

 

قوة إيمان حذيفة:

في غزوة أحد كان حذيفة شديد الولاء للمسلمين، وصاحب إيمانٍ لا تهزمه العواصف؛ حيث أنه رأى أباه يقتل خطأ على يد مسلمة، فصاح أبي أبي إنه أبي ولكن أمر الله قد حان، حيث أن المسلمين حزنوا لكنه نظر لهم قائلا: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، ثم انطلق يؤدي واجبه لنصر الإسلام، وبعد المعركة علم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بالدية، ولكن حذيفة خالف توقعات الجميع وتصدق بها على المسلمين فازداد حبا وتقديرا ومكانة عند الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

 

حكمة حذيفة رضي الله عنه:

قد ساء مناخ المدائن بالعرب المسلمين مما أدى إلى أذى بليغ؛ فكتب عمر إلى سعد ابن أبي وقاص، فوكل أمرهم لحذيفة بن اليمان وسلمان بن زياد، فلما بلغ أرض الكوفة وكانت جرداء قال حذيفة لصاحبه هنا المنزل إن شاء الله، وتحولت الكوفة من أرض جرداء إلى أرض عامرة، وشفي المسلمين واستعادوا قوتهم.

 

توليه على المدائن:

خرج أهل المدائن لاستقبال الوالي الذي اختاره عمر لهم، فأبصروا أمامهم رجلا يركب حماره على ظهره أكاف قديم، وأمسك بيديه رغيفا وملحا وهو يأكل ويمضغ، وكاد يطير صوابهم عندما علموا أنه الوالي حذيفة بن اليمان المنتظر، ففي بلاد فارس لم يعهدوا الولاة كذلك وحين رآهم حذيفة يحدقون به قال لهم: إياكم ومواقف الفتن. قالوا: وما مواقف الفتن يا أبا عبد الله؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير أو الوالي، فيصدقه بالكذب، ويمتدحه بما ليس فيه.

كانت هذه البداية أصدق تعبير عن شخصية الحاكم الجديد ومنهجه في الولاية.

 

وفاته:

لمّا نزل بحذيفة الموت جزع جزعا شديدا وبكى بكاء كثيرا، فقيل: ما يبكيك ؟ فقال: ما أبكي أسفاً على الدنيا، بل الموت أحب إليّ، ولكنّي لا أدري على ما أقدم على رضىً أم على سخطٍ، ودخل عليه بعض أصحابه فسألهم: أجئتم معكم بأكفان؟ قالوا: نعم. قال: أرونيها فوجدها جديدة فارهة، فابتسم وقال لهم: ما هذا لي بكفن إنما يكفيني لفافتان بيضاوان ليس معهما قميص، فإني لن أترك في القبر إلا قليلا حتى أبدل خيرا منهما أو شرا منهما ثم تمتم بكلمات: مرحبا بالموت، حبيب جاء على شوق، لا أفلح من ندم.

أسلم الروح الطاهرة لبارئها في أحد أيام العام الهجري السادس والثلاثين بالمدائن، وذلك بعد مَقْتلِ عثمان بن عفان بأربعين ليلة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي