واليومَ يومُ الخيرِ كلِه ، هو اليومُ المشهود ، يومَ يقفُ فيه الحجيجُ على صعيدِ عرفات ، يومٌ تُسكَبُ فيه العَبَرات ، وتُغفرُ فيه السيئات ، وما مِن يَومٍ أَكْثَرَ مِن أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فيه عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِن يَومِ عَرَفَةَ .
جاءَ عبدُاللهِ ابنُ المبارك ، إلى سفيان الثوري “رضي اللهُ عنهما ” عشيةَ عرفة ، وهو جاثٍ على ركبتيه ، وعيناه تذرفان الدمعَ ، فقالَ له : من أسوأُ هذا الجمعِ حالاً ؟
فقال : الذي يظنُ أن اللهَ لا يغفرُ له .
يومٌ مهيبٌ ، العفو فيه موصول ، والدعاءُ فيه مقبول ، فخيرُ الدُّعاءِ ، دعاءُ يومِ عرفةَ ، والمحرومُ ، مَنْ حُرمَ فضلَ هذا اليوم ، والثوابُ فيه عامٌ شامل ، للحاجِ ، وللمُقيم ، الذي تعلقَ قلبُه بهذا الركنِ الأصيل ، وتمنى لو كان مع الركبِ ، وحالت ظروفُه ، فتوجهَ إلى اللهِ تعالي بصالحِ الأعمال ، واثقاً من فضلِ ربِه ، وسلامةِ نيتِه ، فنيةُ المرءِ خيرٌ من عملِه .
ثم يأتي يومُ الفداء ، يومَ قالَ الابنُ الصالحُ لأبيه : يَٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰابِرِينَ .
امتثلَ أبو الأنبياءِ ، إبراهيمُ ، لأمرِ ربِه ، ولم يقلْ : أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ، هذا الذي بلغَ من العمرِ ستةً وثمانينَ عاماً ، عندما بُشرَ بمولدِ إسماعيل ، نجدُه اليومَ ، يتوجهُ بلا تردد ، لذبحِ ولدِه ، الذي بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ، وأصبحَ صبياً جميلاً مُطيعاً ، سنداً ومُعيناً ، وقرةَ عينٍ لأبيه ، الذي بَلَغَ مِنْ الْكِبَر عِتِيًّا ، يذبحُه بيده ، يا الله ، أيُ إيمانٍ هذا ؟! يستشيرُ ابنَه في الأمرِ ، حتي يَعُمَ الثوابُ ، وتنتفيَ الخديعةُ “وهذا مُحالٌ علي الأنبياء ” فيكونُ إيمانُ الابنِ راسخاً ، تماماً ، كإيمانِ أبيه “ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ” .
تُعلنُ حالةُ الطوارئ في السماء ، وترتجفُ الملائكةُ من هولِ المشهد ، واللهُ يعلمُ ، وهم لا يعلمون ، تُحَدُ السكينُ ، ويستلقي الذبيحُ على الأرضِ ، غيرَ ناظرٍ لأبيه ، كي لا تأخذَه الشفقةُ ، فيترددُ في تنفيذِ أمرِ الله . الشيطانُ يصولُ ويجول ، مرةً على الأب ، وثانيةً على الأم ، وثالثةً على الابن ، لكنهم جميعاً ثابتون في عقيدتهم وإيمانهم . تتحركُ السكينُ على الرقبةِ ، لكنَّ هذهِ السكينَ تفقدُ كلَ خواصِها ، كما فقدت ، مِن قَبلُ ، النارُ المُحرقةُ ، التي أُلقيَ فيها إبراهيمُ ، خواصَها أيضاً ، بل وأصبحت برداً وسلاماً ، فكانتْ أيامُ النارِ ، أجملَ أيامِ عُمره ! مَنْ الذي بدلَ القوانينَ ؟ مَنْ الذي غيرَ القواعدَ ؟ هو اللهُ ، الذي أمرُه بينَ الكافِ والنون ، إذا قضى أمراً ، فإنما يقولُ له ، كنْ فيكون .
ثم تأتي الفرحةُ ، في ثيابِ الرحمةِ ، ويكونُ الفِداء ُ الكبير “وَفَدَيْنَٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍۢ ” .
طاعةُ اللهِ واجبةٌ ، قبلَ كلِ شئٍ ، فرضا الناسِ ، غايةٌ لا تُدرك ، ورضا اللهِ ، غايةٌ لا تُترك ، فاتركْ ما لا يُدرك ، وأَدرِكْ ما لا يُترك .
كُنْ مع اللهِ ولا تُبالي ، وامدد إليه يدَك في ظُلماتِ الليالي ، وكنْ كالقائل : أنا الناجي من سهامِ القدرِ ، لأنني بجوارِ الرامي .